قال رب العزة: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة.
ما رأيت من آية في هذا العصر اختلف الناس حولها، كما اختلفوا في هذه الآية الكريمة، وكل فرقة من الفرق المعاصرة تبني على هذه الآية المفاهيم التي تريد، والتأويلات التي تحب، فقائل يقول: إن الحكم بغير ما أنزل الله كفر عملي، والكفر العملي عنده ليس له إلا معنى واحد وهو الكفر الأصغر، وبالتالي فمن ترك حكم الله تعالى فهو عاص من العصاة، ولا يخرجه هذا الفعل إلا باعتقاد الرد لحكم الله تعالى، وزعم صاحب هذا القول أن إخراج من ترك حكم الله تعالى من الإسلام هو مذهب الخوارج الذين يكفرون بمطلق المعاصي والذنوب.
وقائل يقول: إن هذه الآية ليست نازلة في المسلمين بل هي لليهود أو لغيرهم، فحملها على أهل الملة المحمدية حمل على غير محملها، وآخر وآخر .. ، إلى غير هذه التأويلات المتضاربة والمختلفة، وحتى تنجلي صورة هذه الآية في أذهان المسلمين فإنني أقدم لها بمقدمات، عسى أن تقرب المراد وتيسره، فأقول وبالله التوفيق:
1 -الآية تتكلم عن حكم من ترك الكتاب والسنة، ولا تتكلم عن حكم من حكم بغير الكتاب والسنة، والتفريق بينهما جد مهم، فلو أن القاضي عرضت له مسألة ليقضي فيها، فترك الحكم فيها مع علمه بحكم الله تعالى في النازلة، فهو المعني بهذه الآية، ولكن هذا القاضي لو حكم فيها بغير ما أنزل الله تعالى لكان جامعا لأمرين أولاهما: ترك الحكم بما أنزل الله، وثانيهما: الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. وهما مناطان مختلفان، إذ أن الثاني متضمن للأول، بخلاف الأول فهو ليس متضمنا للثاني.
2 -دلت السنة النبوية على وجود الكفر الأصغر، و لم يرد الكفر الأصغر في الكتاب العزيز، بل قال الإمام الشاطبي: إن أحكام القرآن كلها غائية، وأما السنة ففيها الغائي والوسطي، فعلى هذا: لا يوجد في القرآن لفظ الكفر الذي يحمل على الكفر الأصغر، نعم: ورد الكفر في القرآن على عدة معان، ذكر بعض أهل العلم أنها خمسة. انظرها في"نزهة الأعين النواظرفي علم الوجوه والنظائر"لابن الجوزي (2/ 119 - 120) ولكن لا يوجد فيها ما يدل على أن في القرآن لفظ الكفر المحمول على الكفر الأصغر.
3 -التفريق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر الوارد في السنة النبوية له عدة طرق، من أهمها ما ذكره ابن تيمية في كتاب"الإيمان الكبير": أنه لو ورد الكفر معرفا فإنه لا يحمل إلا على الكفر الأكبر، وأما إذا جاء الكفر منكرا، فحينئذ برجع إلى بقية الطرق لمعرفة المراد منه، هل هو كفر أكبر أم أصغر؟.ا. هـ.
الحكم بغير ما أنزل الله، فيه صور داخلة فيه دخولا كليا، وصور داخلة فيه دخولا جزئيا، فمن الصور التي تدخل فيه دخولا كليا بإجماع الأمة هي:
أ- التشريع: قال الشاطبي في الاعتصام (2/ 61) : كل بدعة -وإن قلت- تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك يكون ملحقا بما هو مشروع، فيكون قادحا في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفيس الشريعة عامدا لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير. قل أو كثر كفر، فلا فرق بين ما قل منه أو كثر. ا. هـ. فالشاطبي يقرر أن مطلق التشريع كفر، ولا فرق بين القليل والكثير، لأن معنى التشريع هو رد لأمر الله تعالى وحكمه، وهذا كفر بإجماع الملة. قال ابن تيمية:"والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان مرتدا بالاتفاق".ا. هـ. مجموع الفتاوى (3/ 267) . ويقول الشنقيطي:"وأما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض، فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض".ا. هـ. أضواء البيان (4/ 84) .
ب- رد حكم الله تعالى إباء أو امتناعا من غير جحود ولا تكذيب: قال الجصاص:"إن من رد شيئا من أوامر الله تعالى، أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة القبول والامتناع عن التسليم".ا. هـ. أحكام القرآن (2/ 214) .