ج - من التزم غير حكم الله تعالى: قال ابن تيمية:"ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر، وقال: فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن".ا. هـ. منهاج السنة (5/ 131) . وقال محمد بن إبراهيم آل الشيخ في رسالة تحكيم القوانين في أقسام الكفر الأكبر الداخل في هذه الآية: وهو أعظمها، أو أشملها، وأظهرها: معاندة الشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ورسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعدادا وإمدادا، وإرصادا، وتأصيلا، وتفريعا، وتشكيلا وتنويعا، وحكما وإلزاما ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة، وغير ذلك، فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة، مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم الكتاب والسنة، من أحكام ذلك القانون، وتلزم به، وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم، فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة لشهادة أن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة. ا. هـ.
أما الحالات التي تدخل في الآية دخولا جزئيا فمنها:
أ- اقتراف المعاصي والذنوب غير المكفرة، من غير رد لحكم الله تعالى، أو استحلال للمعصية، فهذا داخل في مسمى الحكم بغر ما أنزل الله تعالى، ولكن دخوله في حكمها كدخوله في مسماها، ونعني أن دخوله في الآية من باب احتجاج الأعلى على الأدنى، إذ أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحتجون بالآيات النازلة في الكفار على المسلمين لا تكفيرا لهم -والعياذ بالله- ولكن من باب دخول هذا الفعل المحذور في هذه الآية دخولا جزئيا، كما قال القرطبي: لا يستبعد أن ينتزع مما أنزل الله في المشركين أحكام تليق بالمسلمين كمل فعل عمر رضي الله عنه في احتجاجه على كثرة النعم بين أيدي الصحابة في عصره بآية {أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا} فهذه الآية نص في الكفار، ومع ذلك فهم عمر الزجر عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. وكذلك قال الشاطبي في"الموافقات"فانظره وكذا في"الاعتصام"وهذه المعاصي تسمى كفرا أصغر أو تسمى بريد الكفر وهي التي إذا كثرت ربما تنتج الغائي عند الموت وهو كفر المآل. (انظر الإيمان الأوسط لابن تيمية، فأنه مهم) .
2 -جور الحاكم وطغيانه وظلمه، وهو كظلم الحكام المسلمين لرعيتهم بأخذ أموالهم المعصومة على جهة السياسة من غير حجة شرعية، أو كظلمهم بجلد ظهورهم وتحميلهم ما لا يقدرون عليه، فإن هذا الصنف كسابقه، هو كفر أصغر، ومعصية من المعاصي، ويجوز الاحتجاج بالآية المتقدمة على هذه الأفعال لا تكفيرا لأصحابها، ولكن من باب دخول أصحابها دخولا جزئيا في مسمى هذه الآية، أي أنه كفر أصغر ومعصية من المعاصي المذمومة.
فهذه الآية كما ترى على ظاهرها، فمن دخل فيها دخولا كليا كان كافرا بالله تعالى، ومن دخل فيها دخولا جزئيا فيصيبه بمقدار ما اقترف.
والناس في هذه الآية طرفان ووسط:
أ - الطرف المغالي: وهم الخوارج. وهم الذين يرون أن المعاصي والذنوب على مرتبة واحدة، فكل من عصى الله تعالى فهو داخل في هذه الآية دخولا كليا فهو كافر ومشرك، وبذلك كفروا أصحاب الجمل وصفين، ومعسكر علي ومعسكر معاوية رضي الله عنهما، فهؤلاء كفروا القسم الثاني (الداخلين فيها دخولا جزئيا لا كليا) ،وهذا القسم الثاني هو الذي قال في حقه ابن عباس رضي الله عنهما: كفر دون كفر، وليس من قبيل حمل الآية على معنى واحد وهو الكفر الأصغر إذ أن ظاهر الآية كما تقدم لا يمكن حمله إلا على الكفر الأكبر.
ب - طرف التفريط: وهم المرجئة. وهؤلاء لا يرون الحكم بغير ما أنزل الله على جميع وجوهه وحالاته إلا كفرا أصغرا، ولا يكفرون القسم الأول إلا بشروطهم الباطلة، كشرط الاستحلال والجحود والتكذيب، ويحتجون بجهل فاضح بقول حبر الأمة - ابن عباس رضي الله عنهما: كفر دون كفر.
وهؤلاء كغيرهم من أصحاب القول الأول أهل بدعة وضلال.
قول وسط: وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو أن الآية على ظاهرها، وبمقدار دخول الرجل في مسماها داخل في حكمها.