فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 257

سبيل أهل السنة والجماعة: نقد التزييف

أذكر نفسي وإخواني بأن الفتن كاشفة للرجال، كما قال الرجل لسعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: يا سعيد في الفتنة يتبين لك من يعبد الله ممن يعبد الطاغوت. ("الإبانة الكبرى"لابن بطة2/ 769) ، وقوله هذا حق فإنهم في الوسع يرفعون شارة الإسلام ورايته، وكلهم يزعم أنه وليه وصاحبه، ولكن بعد الامتحان والاختبار يعرف الناس حقائق أنفسهم وعقائدهم. فهؤلاء المتمسكون بشعار جبهتهم وحزبهم، هذا الحزب الذي لم يعلم قادته وأفراده قط التوحيد الصافي، فبعضهم صار وزيرا في دولة الردة، وبعضهم نهق بعداء المجاهدين، وبعضهم ارتمى في أحضان الشرق أو الغرب، فأي توحيد علمهم حزبهم هذا وتجعهم هذا. ثم يأتي بعد ذلك من يأتي متبجحا قائلا: إن راية هذا الحزب والتجمع هي راية أهل السنة والجماعة"، فلا أدري عن أي سنة وجماعة يتكلمون!!."

واعلم وفقك الله لأرشد أمرك أن هذه المسألة جد خطيرة، وليست هي بكثرة الناعقين والمرجفين، ولا بكثرة العمائم المدورة، والشهادات العالية المزركشة بل هي بالدليل والبرهان، ثم عليك أن لا تطمع كثيرا بهداية أهل الأهواء والبدع، فإن البدع قد دخلت في كل مفاصلهم وشربتها قلوبهم حتى الثمالة، ثم اتفقوا وتمالؤوا على الكذب والبهتان فالصدق منهم كعنقاء مغرب غرابة وقد صدق أبو بكر مسلم الزاهد ذكر يوما المخالفين وأهل البدع فقال:"قليل التقوى يهزم العساكر والجيوش". وصدق الشاعر حين قال:

من كان يخلق ما يقول *** فحيلتي فيه قليلة

فاهرب من هؤلاء المبتدعة، ولا ترخي لهم سمعك لئلا يمرضوا قلبك، قال ابن عباس رضي الله عنهما:"لا تجالسوا أصحاب الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلب"، وأي مرض أعظم من أن يذهبوا بك إلى دين يضاد دين محمد صلى الله عليه وسلم من كل وجه (أعني دين الديمقراطية) فإياك وتسللهم في قلبك.

عن حبيب بن أبي حبيب قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري بواسط في يوم أضحى وقال: ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله علوا كبيرا عما يقول الجعد بن درهم، ثم نزل فذبحه.

رواه البخاري في الرد على الجهمية (ح رقم3) وفي"التاريخ الكبير" (1/ 1/14) الدرامي والأجري في"الشريعة".

وقد مدح الأئمة الأعلام فعل القسري عند ذبحه الجعد، قال ابن القيم في نونيته:

وكذاك قالوا ماله من خلقه *** أحد يكون خليله النفسان

وخليله المحتاج عندهم وفي *** ذا الوصف يدخل عابد الأوثان

الكل مفتقر إليه لذاته *** في أسر قبضته ذليل عاني

ولأجل ذا ضحى بجعد خا *** لد القسري يوم ذبائح القربان

إذ قال إبراهيم ليس خليله *** كلا ولا موسى الكليم الداني

شكر الضحية كل صاحب سنة *** لله درك من أخي قربان

شرح الأبيات:

هذه الأبيات في أوائل نونية ابن القيم في العقيدة حيث بدأ ابن القيم يعدد خصال الجهمية المعطلة ويقصد بالمعطلة: أنهم يعطون صفات الله تعالى وينفونها ويزعمون أن الله ذات مجردة، وهم وإن كانوا متأولين إلا أن نهاية قولهم هو القول بتطيل الخالق، إذ لا يتصور العقل ذاتا من في غير صفات إلا لمن لا حياة له، أو نهاية أمره هو القول بوحدة الوجود، وهو أن الله هو كل موجود، وقد ورث الأشاعرة هذه العقيدة (التعطيل) ، مع أنهم ينسبون هذه الصفات إلى الله تعالى إلا أنهم يجردونها عن حقيقتها بتأويلها فينسبون لله صفة المحبة ولكنهم يفسرونها أنها إرادة الخير من الله للإنسان. فابن القيم يقول عن الجهمية أنهم نفوا عن الله تعالى صفة الخلة وهي صفة جاءت في الحديث: (( لو كنت متخذا من الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكني خليل الله ) )، والخلة هي أعلى مراتب المحبة لأنها لا تقال إلا إذا تخلل الحبيب كل القلب، كما قال الشاعر:

تخللت مسلك الروح مني *** وبذا سمي الخليل خليلا

ولهذا سمي إبراهيم عليه السلام خليل الله تعالى.

فالجهمية نفت صفة الخلة وجعلوا الخلة هي حاجة المرء لربه، فرد عليهم ابن القيم أن هذه الصفة لا يتميز المسلم بها عن الكافر لأن جميع الخلق (مؤمنهم وكافرهم) محتاجون إلى الله تعالى، وجميع الخلق في قبضته وأسره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت