فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 257

أنزل الله هذا الدين العظيم ليحقق مقاصد ومآلات، فمن هذه المقاصد ما يختص بالفرد ومنه ما يختص بالأسرة، ومنه ما يختص بالمجتمع، ومنه ما يختص بالأرض كلها، وبمقدار فهم المرء لهذه المقاصد يكون إدراكه لقيمة الجماعة وضرورتها، وبعضهم فهمه من دين الله تعالى بمقدار فهم أهل الضلالة من أديانهم، وهو النظر إلى ما يستطيع أن يقوم به المسلم من أعمال إسلامية منفردا وبدون جماعة، فهو يقول: أنا أستطيع أن أصلي بدون حزب، وأصوم بدون حزب، وأحج بدون حزب، وهكذا يبدأ يعد أعمال الإسلام التي ينجزها دون وجوده في جماعة وتنظيم وحزب، وقد رأينا من هؤلاء القوم الجهلة تطورا خطيرا لهذه النظرة، وهي أنهم أخذوا ينظرون إلى دولة الإسلام (الجماعة الكبرى) كشيء لا أهمية له ولا قيمة للبحث فيه، وسمعنا عجبا وهو قولهم: إن البحث في مسألة الإمامة والاهتمام بها هو من شأن المعتزلة والشيعة، أي أن الباحثين عن تحقيق دولة الإسلام فيهم شبه اعتزالية وشيعية، وهؤلاء القوم قد علت أصواتهم وملأت الفضاء، وتلبسوا لبوس العلم والحكمة والسلفية، وأخيرا قام رجل جهول ظلوم ق إحدى المراكز الإسلامية في أوروبا وأفرغ قيح فكره، وصديد جهله حين أعلن للناس أن شأن دولة الإسلام ليس بهذه الأهمية التي ينظر إليها بعضهم، بل هي -إن وسعنا الأفق وأكثرنا القول- لا يعدو أن يكون أمرها مستحبا، إن وجدت فبها ونعمت وإلا فغيابها لا يضرنا شيئا، وكان هذا المنفلت من المصحة العقلية يرى نفسه يستطيع أن يقوم بأعمال الإسلام، وفرائضه وأحكامه دون أن يستظل بدولة إسلامية، والغريب أن مثل هذه العاهات هي التي تنشر في الناس فكرة أن لا جهاد إلا تحت راية إمام ممكن، وأن -أمر الجهاد لا يعقده إلا إمام العامة، وخليفة المسلمين، ولا ندري كيف نستطيع أن نفهم مثل هذه الأحاجي الغريبة التي تطل علينا برأسها مرة بعد مرة، وكأننا أمام سرك مهرجين لا قادة فكر ولا حملة راية، وقد نقم علينا بعض ممن لهم موقع الحب في القلوب أن لم نخفف العبارة، ونلطف الردود، ولكن -والله- لا نستطيع أن نناقش هؤلاء النوكى مناقشة العقلاء، ولا نباحثهم مباحثة الدارسين، لأنهم أشبه بالمهرجين منهم بأهل العقل والدراية، فهم دائرون -يقينا- بين غرضين: إما النفاق والعمالة والجاسوسية، وإما الجهل والغباء والبلاهة، فإن نثبت لهم الصفة الثانية فهو أخف وأيسر؟ أليس كذلك؟.

وهؤلاء البعض رأيت لهم بعض الكتابات التي تجعل جماعات الإسلام السياسي وجماعات الجهاد - والتي يجمع بينهما دعوتهما لإحياء الخلافة ووجوب إقامة الإمامة العظمى- تأخذ أهمية الإمامة من الشيعة الروافض، ذلك لأنهم وقعوا على كلام لشيخ الإسلام لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بداية كتابه"منهاج السنة النبوية"، في رده على"الحلّي"، صاحب كتاب:"منهج الكرامة"، وجعل الإمامة هي ركن الإسلام العظيم على فهم لمعنى الإمامة، ومهمته التي لا يصح بدونها شيء، فجعل شيخ الإسلام على هذه العقيدة البدعية، ويبين زيف أمرها، فظن من لا خبرة له أن الإمامة التي يناقشها شيخ الإسلام هي الإمامة العظمى والخلافة الإسلامية، وهذا خطأ قبيح، فإن الإمامة عند الشيعة هي على نحو معين، وفهم خاص، لا تقرب في شيء منها من الإمامة عند أهل السنة والجماعة، فأصل الإمامة عند الروافض هو قرنها بعلي وأولاده وأحفاده رضي الله عنهم حتى تصل إلى الغائب في السرداب"محمد بن الحسن العسكري" (نسبة لمدينة العسكر وهي سامراء) فهم يجعلون إمامة علي رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءا من دين الله تعالى، ومن لم يؤمن بإمامته فهو كافر بركن من أركان الدين، وهم يجعلون للإمام حق التشريع وإصدار الأحكام الدينية ابتداء، ثم هم يعتقدون فيهم العصمة، وينسبون لهم صفات لا تليق بالبشر، هذه هي الإمامة عند الشيعة، فكون شيخ الإسلام يرد على"الحلي"الشيعي: بقوله إن الإمامة ليست من دين الله، أو أنها ليست مهمة قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغها للناس، لا يعني من كلامه أبدا الإمامة التي هي عند أهل السنة والجماعة.

ثم هل زاد هؤلاء سوى أن رددوا كلام العلمانيين والمستشرقين، وهو أن الإسلام لا يحمل في داخله مفهوم الدولة، أو حسب مفهومهم الجاهلي: الإسلام دين لا دولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت