إن أمر الدولة في دين الله تعالى عظيم، شأنه مهم، فإن الإسلام لا يستقيم أمره، ولا تظهر حسناته إلا حين تكون له دولة تقوم عليه، عملا وحماية ونشرا.
قد يسأل سائل: وهل ينبغي علينا أن ننشغل بهذا الأمر في هذا الظرف أم أن هناك من الأمور ما هي أكثر أهمية وضرورة؟.
والجواب على هذا التساؤل يفرز لنا مجموعة من الأمور التي ينبغي التنبيه عليها:
أولا: من ظن أنه يمكن للإسلام أن يأخذ بعده الحقيقي من غير دولة تقوم عليه فهو جد واهم، لأن الدولة حين تكون على غير الإسلام فإنها ستعمل جاهدة لإزالة موانع بقائها، وستنشر أفكارها ومناهحها، والأعظم من ذلك أنها ستفرض على الناس دينا ومنهاجا وقضاء يتلاءم مع تصورها للكون والحياة، فمن ظن أنه يمكن له أن ينشر الإسلام ويعلم الناس الدين، ويكسب الأمة إلى صفه ودينه أمام طوفان هذه الدولة الجاهلية فهو مخطئ ولابد، فلو نظرت إلى عدد المسلمين الذين دخلوا في دين الله تعالى في زمن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة لرأيته عددا قليلا جدا، وأما من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة وزمن عزة الإسلام فستجد الآلاف منهم قد التحقوا بقافلة الإسلام، ولذلك من الله تعالى على رسوله بهذا الفتح وقال: {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} فقد قرن الله تعالى نصره وفتحه مع دخول الناس في دين الله تعالى لأنه إن لم يتم النصر والفتح فلن يتم دخول الناس في دين الله تعالى، بل إن علماءنا الأوائل بفهمهم، وثاقب فكرهم، جعلوا انتشار الفكرة منوطا بالقوة والشوكة، كقول ابن خلدون:"إن المغلوب مولع بتقليد الغالب"فجعل ظاهرة التلقي مقيدة بالقوة والغلبة.
وأما ابن حزم -رحمه الله تعالى- فقد جعل انتشار لغة ما، وسيطرتها منوطا بقوة أصحابها وظهور أمرهم. قال في كتابه"الإحكام في أصول الأحكام":"إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها، ودخول غرهم عليهم في مساكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم، فإنما يقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها، ونشاط أهلها وفراغهم، وأما من تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمون منهم موت الخواطر، وربما كان ذلك سببا لذهاب لغتهم، ونسيان أنسابهم وأخبارهم وعلومهم، هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة" (1/ 32) . فانظر -حفظك الله- إلى عظم أمر الشوكة والقوة، وهما لا يتم أمرهما إلا بدولة وسلطان. وعلى هذا فان الإسلام لن يبقى له وجود حقيقي إلا إذا تسارع أهله في إحياء الدولة.
ثانيا: كثيرا ما يضع البعض أمورا متعددة بصورة متعارضة، وهي لا تعارض بينها أبدا، بل قد تكون مكملة له ومتممة لأمره، وذلك مثل قول بعضهم: هل الأولى طلب العلم أم الجهاد؟ وهذا سؤال خطأ، فانه لا تعارض بينهما، فالمسلم يجاهد ويتعلم.
وكذلك في مثل هذا الأمر، يسأل البعض: هل الأولى أن ننشغل بأمر العقيدة أم بأمر إحياء الدولة والدعوة لها؟ وهما في الحقيقة لا يتصور فهم أحدهما إلا بفهم الآخر، فدولة الإسلام هي من تمام فهم التوحيد، لأنها تعني البراءة من الكفر وأهله، ثم هي تعني موالاة المؤمنين ونصرتهم، وعلى هذا فأغلب الذين لا يفهمون حقيقة التوحيد لا يهتمون كثيرا بأمر الجماعة الكبرى والإمامة العظمى، وترى عامة حديثهم في غير الأصل.
روى الإمام النسائي وغيره بسند صحيح عن سلمة بن نفيل الكندي (من قبيلة كندة) رضي الله عنه قال: كنت جالسًا، فقال رجل: يا رسول الله؛ أذال الناس الخيل، ووضعوا السلاح، وقالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه وقال: (كذبوا، الآن جاء دور القتال، ولا يزال من أمتي أمَّةٌ يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وإنه يوحى إليّ أني مقبوض غير ملَبَّث، وأنتم تتبعونني أفنادًا، يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار المؤمنين بالشام) .