فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 257

حين نتحدث عن حركات الجهاد في العالم الإسلامي، فإننا نقصد تلك التجمعات والتنظيمات التي قامت من أجل إسقاط الأنظمة الطاغوتية الكافرة في بلاد الردة، وإحياء الحكومة الإسلامية التي تقوم على تجميع الأمة تحت راية الخلافة الإسلامية، وبعيدا مؤقتا عن الحديث عن التوصيف الشرعي للواقع الذي تعيشه دار الردة التي قامت على أنقاض دولة الخلافة، فإننا نبدأ ببيان قرب بعض الجماعات من هذه الجماعات الجهادية، حيث نرى تجمعات وتنظيمات لا نستطيع أن ندخلها في الحديث عن حركة الجهاد بهذا المفهوم الذي تقدم، لأن هذه التجمعات يغلب عليها طابع عمل الحسبة، فهي تزاول أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل المجتمعات، وليس لها من تطلع واضح كما يظهر من أدبيات الجماعات في إقامة دولة الخلافة، وطبيعة عمل الحسبة يقوم على الاهتمام بما هو داخل المجتمعات من معاصي، فهذا رجل يشرب الخمر، وهذه امرأة سافرة، وصور أخرى كثرت في مجتمعاتنا، فتقوم هذه الجماعات بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من التغيير باليد، وعلى ضوء هذا العمل الشرعي تسارع الدولة المرتدة في ملاحقة هذه التجمعات، وإقامة القوانين الوضعية عليهم، وحينئذ قد يتأزم الصراع بين الدولة وهذا التجمع، فتبدو للناظر من بعيد كصورة تغير شامل لهذه الدولة، لكن قد يظهر عدم الوضوح عند هذه الجماعة حين تبدأ عملية شد الحبل بينهم وبين الدولة، فقد يعلن بعض قيادات هذه الجماعات بأنه لو فتحت لهم الدولة العمل داخل المساجد، أو سمحت لهم بالعمل الدعوي فقد يخففون الوطأة في صراعهم مع هذه الدولة، وللأسف كثيرا جدا ما نرى بعض المناظرات بين ممثل الدولة المرتدة وبين هذه الجماعات تقوم على الخلاف في مشروعية التغيير باليد لآحاد الرعية، وهذا الأمر يكون خطابا وخلافا بين دولة مسلمة ورعاياها من المسلمين، وليس بين دولة كافرة مرتدة وبين جماعة تسعى لقلبها وتغييرها، ولكن هذا لا يمنع هذه الحركات من التقدم إلى موضع أمامي في هذا الصراع، وهو الموضوع المطلوب وذلك بتبين حقيقة الصراع بين الحركة الجهادية التي تقدم وصفها وبين هذه الدولة المرتدة، وهذا التقدم يتم عادة باحتكاكها خلال مسيرتها بتجمعات جهادية واضحة المعالم أو بسبب ظروف خاصة فتقترب هذه الجماعات من مفهوم حركة الجهاد الصحيح، ومما ينبغي التأكيد عليه وهو مهم جدا الاهتمام به وعدم نسيانه أو تغافله وهو أن حركات الجهاد ليست هي التي تحمل السلاح أو هي التي تؤمن بحمل السلاح فقط فهذا خطا منتشر بين كثير من الشباب الجهادي لأن حركة الجهاد هي الحركة الشمولية الحضارية، المنبثقة من مفهوم التوحيد الصحيح بشقيه توحيد العبادة وتوحيد الاتباع، وهي التي تحمل بعدا تاريخيا في فهمها بكبوات أمتنا الفكرية والنفسية وتملك الرؤية المستقبلية لعالم يسوده الإسلام بشمول عطائه، الظاهري والباطني، وباستغراق أحكامه الكبيرة والعامة ولذلك ليس من المقبول أبدا من حركات الجهاد (الأمل) أن لا تهتم بجانب التوحيد من جميع جوانبه لأننا نرى حركات جهادية نشأت في واقع فيه شرك النسك من عبادة القبور والقباب، ولم يظهر شيء من أدبيات هذه الجماعة يشير إلى هذا الشرك من قريب أو بعيد، وكأن هذا الأمر لا يعنيهم، كذلك تكون هذه الجماعات قد نشأت في مجتمعات غلب عليها التعصب المذهبي المقيت للمذاهب والطرق، فلا ترفع لهذه الأمور رأسا، وكأن هذه الحركات هي حركات سياسية لكنها اتخذت حمل السلاح وسيلة من وسائل العمل السياسي.

إن هذه الطروحات في معالجة الإرث التاريخي السيئ لأمتنا ومجتمعنا ضرورية جدا لحركات الجهاد، لأنها تصبغ هذه الحركات بالبعد الشرعي الذي يقربها من جيل الصحابة رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت