إن الحركة الجهادية الأمل حركة سلفية التصور والرؤى، سلفية المنهج والطريق، بريئة كل البراءة من الإرث المنحرف في فكر الأشاعرة، والماتريدية، سليمة كل السلامة من آثار المنهج الصوفي الضال، لا تنتسب إلى أي مذهب وطريق إلا طريق الكتاب والسنة، بصيرة بحال أهل زمانها، تصبغ أعمالها بالبعد التعبدي لحركة الصحابي الأول في الأرض، إذا عرفنا هذا تبين لنا أن حركات الجهاد في العالم الإسلامي لم تصل إلى الأمل المنشود ولكنها إن شاء الله تشد الخطى نحوه، وقد رأينا إذا طال الزمن في مسيرة الحركات أن تتبين المثالب والأخطاء أكثر، فالحركة الجهادية في سوريا كانت مليئة بمثالب وأخطاء الإخوان المسلمين وقد حاول قادتها -رحمهم الله- أن يصححوا المسيرة خلال الأزمة فلم يدركهم الوقت، بل إنهم وقعوا في حفرة الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين، فلم يخرجوا عن شعارهم بل تسموا باسم الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، وبرروا ذلك أن هذا وفاء للرجال الذين أناروا لهم الطريق بدمائهم أمثال سيد قطب وعبد القادر عودة ومحمد فرغلي وغيرهم، لكن ليس هذا الأمر مما يمكن أن يقع لولا عدم الوضوح بهذه الأمور التي سبق ذكرها من شروط حركة الجهاد الأمل.
نعم إن الحركة الجهادية تتنامى بفكرها ومنهجها (فقد كانت بعض الجماعات تطلق على العمل السري أنه بدعة معاصرة) ، وتكتسب كل يوم مواقع جديدة، وخلال الطريق سيتساقط الذين يصرون على الوقوف بدون تقدم، كما توقفت الحركات الإسلامية عموما في التقدم نحو الأفضل، ومن الأمثلة الصريحة على ذلك صنيع الإخوان المسلمين، فقد كان سيد قطب رحمه الله تعالى هو النتيجة الجيدة، والموقع المتقدم بعد حسن البنا، لكن الجماعة بقادتها الجدد كانت أصغر من هذا الموقع، فأبت التنامي معه، ووقفت حيث هي، والحركة السلفية كذلك، فها هو سفر الحوالي ومعه سلمان العودة يمثلان الموقع المتقدم لحركة الإحياء في الجزيرة العربية، ولكن الكثير من مشايخ حركة الإحياء الأولى يأبون الإقدام الصحيح، وتشدهم مواقعهم الأولى، ومما يؤسف له أن القبول لهذا الإقدام يكون في أغلبه من خارج هذه الحركات، مع استجابة الكثيرين الذين لا يكونون حول المركز في هذه الجماعات، وحركات التصادم مع الطواغيت سيقع فيها ما وقع في هذه الحركات، فسيصبح دور هؤلاء القدماء هو البحث عن الأدلة في تمرير قول المتقدمين، وهي نفس الحفرة التي وقعت فيها أمتنا من أتباع الأئمة، بالقيام بدور الشارح لكلام الإمام، ثم اختصار الشرح، ثم التعليق والتهميش وهكذا تبقى الدائرة حول مركز الشيخ، أو حول دائرة المؤسس.
وبقى أمر آخر بالنسبة لهذه الحركات (الجهادية) ، وهو أن هذه الحركات كما تعتمد على شمولية الموضوع والنظرة، فينبغي لها وجوبا أن تنظر إلى شمولية المكان واتساعه، وأقصد بهذا أنه قد تفتح أماكن جديدة للجهاد في غير بلدها، وهذا المكان إما أن يكون وصفه مكان إعداد فقط، أو يكون الأمل فيه بتحقيق الهدف المرجو أكبر من غيره، حينئذ على الحركة الجهادية أن تنظر لنفسها كوحدة واحدة، ولأن طبيعة الصراع هو معركة، فالقائد هو الذي استطاع أن يحقق هذه المكاسب، أو أن يستفيد من الظرف الذي وقع له، وعلى الآخر إن كان قديما في وجوده أن يلتحق بهذا الأمل الجديد، وأن يسانده، بل إذا امتد الأمر وأخذ بعده المطلوب وجب عليه أن يكون جنديا لهذا القائد الجديد، وعليه أن لا يأتي ليقول للناس: أنا الأول، أنا السابق، فالمسالة ليست للسابق بمقدار حصول الفضل الإلهي لأحد حصل له مقدمات مساعدة لم تحصل لغيره.
ومن هنا يتبين لنا أن الحركات الجهادية كما أنها هي المتقدمة عن غيرها في فهمها لدين الله تعالى، وهي الأمل إن شاء الله تعالى، إلا أن سنة الله تعالى لا تحابي أحدا، فحيث حصل الإيمان حصل النصر، وحيث تخلف الإيمان الواجب فليس لأحد أن يلوم إلا نفسه.