أهل الحديث في مسائل التوحيد والإيمان هم مقابل أهل البدعة في هذا الباب، وأهم الفرق في هذا الباب هم الخوارج والمرجئة، والخوارج قد كثر حديث المعاصرين عنهم، مع أن أغلب هؤلاء المتحدثين لم يفهموا من الخوارج شيئا سوى أنهم المتشددون في كل باب، فكلما رأى أحدهم رجلا متشددا في باب من الأبواب اتهمه بالخارجية، ولو أننا قارنا ما فعل الإرجاء في أمتنا بمقدار ما أحدثته عقائد الخوارج لوجدنا أن الخوارج يهون أمرهم ولا يعدون شيئا أمام إفرازات عقائد المرجئة، فالكل قد سل سيفه وحربه في الخوارج المعاصرين -جماعة التكفير والهجرة- حتى من لا يحسن قراءة كتب العقائد والفرق، ولكن غلبة مذهب المرجئة وسيطرته على عقول الناس هذه الأيام، هو الذي جعل اكتشاف أمر الخوارج سهلا ميسورا، جماعة التكفير والهجرة محدودة العدد، محصورة التأثير، ولم يبق من آثارها إلا بقايا وشم يلوح ولا يظهر، ولكن هؤلاء الذين يتبجحون بانتسابهم إلى المرجئة تحت دعوى:"لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله"فمن الذي يتحدث عنهم؟ ومن الذي يجرؤ أن يقترب منهم ولو في المنام؟.
قولهم: لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله.
1 -قال الخلال -جامع علم الإمام أحمد بن حنبل (ولم يدركه) : أنبانا محمد بن أبى هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدثهم قال: حضرت رجلا سأل أبا عبد الله -أي أحمد بق حنبل- فقال: يا أبا عبد الله، إجماع المسلمين على الإيمان بالقدر خيره وشره؟، قال أبو عبد الله: نعم. قال: ولا نكفر أحدا بذنب؟ فقال أبو عبد الله: اسكت، من ترك الصلاة فقد كفر، ومن قال"القرآن مخلوق"فقد كفر. ا. هـ. مسند أحمد (1/ 79) . تحقيق أحمد شاكر ..
قلت: إسناده صحيح. وفي المطبوعة محمد بن هارون، وهو خطأ. والصحيح ما أثبتناه.
2 -قال الخلال في السنة: قال أبو عبد الله -أحمد بن حنبل: بلغني أن أبا خالد وموسى بن منصور وغيرهما يجلسون في ذلك الجانب فيعيبون قولنا، ويدعون أن هذا القول: أنه لا يقال (أي القرآن) مخلوق وغير مخلوق، ويعيبون من يكفر، ويقولون: إنا نقول بقول الخوارج. ثم تبسم أبو عبد الله كالمغتاظ. ا. هـ. الفتاوى الكبرى (6/ 479) بتحقيق محمد ومصطفى عبدالقادر عطا/ طبعة دارالكتب العلمية.
جعلت هذين الأثرين في المقدمة، إذ إن شيوع هذه القاعدة بين الناس قد جعلها في مقام النصوص المعصومة، وردها أو محاولة التنبيه على ما فيها من عموم مرفوض، سيكون متهما بالخارجية، تلك التهمة التي لا يحسن الجهلة سواها، فكلما سمع الجاهل أمرا جديدا عليه، يبادر إلى إنكاره والتنفير منه، والناس لا يتصورون حدوث الردة في المسلم، ويستبعدون وقوعه أو الحكم به، مع أن الفقهاء قد ذكروا الردة في أبواب الفقه المتعددة: فقد ذكروا الردة في باب الوضوء وأنها من نواقضه، بل ذكر بعض أهل العلم الردة في حالات لا يتصور حدوثها. قال ابن قدامة المقدسي في المغني: والردة تبطل الأذان إن وجدت في أثنائه. المغني مع الشرح الكبير (1/ 438) . فهل يتصور المرجئ أن يرتد المؤذن في أثناء أذانه؟ ولهذا قال حامد الفقي في تعليقه على فتح المجيد: كثير من أدعياء العلم يجهلون: لا إله إلا الله، فيحكمون على كل من تلفظ بها بالإسلام، ولو كان مجاهرا بالكفر الصراح، كعبادة القبور والموتى والأوثان، واستحلال الحرمات المعلوم تحريمها من الدين ضرورة، والحكم بغير ما أنزل الله، واتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. ا. هـ.
وإذا أردت أن تعرف مقدار علم قادة المسلمين بالتوحيد، فانظر إلى ما كتبه سالم البهنساوي في كتابه"الحكم وقضية تكفير المسلم" (ص171) يقول: إن الذين يستعينون بالصالحين من الأموات بندائهم أو التوسل بهم إلى الله لقضاء الحاجات لا يعتقدون قدرة الأموات على تصريف الأمر، وبالتالي فالحكم بكفرهم هو انحراف عن فهم حكم الإسلام. ا. هـ.
وسالم البهنساوي بكتابه هذا يمثل قمة الوعي والفهم لجماعة الإخوان المسلمين في فهمهم للتوحيد. فهل يرجى من هؤلاء خير؟ أو هل يرتقب منهم تجديد لما انهدم من بناء الإسلام العظيم؟.
وأغرب من هؤلاء هو من يعتقد أن فكر حسن البنا هو الفكر التجديدي لهذه الأمة في هذا العصر، وهو ينتسب للسلف والسلفية، ويرفع شعار أهل السنة والجماعة.