بل أغرب منهم كله من يزعم حمل فكر الجهاد وهو يعتقد أن الفارق بين جماعة الإخوان المسلمين وبين جماعات الجهاد كالفارق بين صحيح البخاري وصحيح مسلم، ولهذا فهم لا يستنكفون أبدا من الاتحاد معهم، لا ضد المرتدين، ولكن ضد الموحدين من إخوانهم، بل ويستخدمون مطية لهؤلاء المبتدعة في شتم إخوانهم وتسميتهم بالمكفراتية.
على كل حال إن اتهمنا بأننا خوارج، فقد اتهم أئمتنا بهذه التهمة من قبل، فكما رأيت في الأثر الثاني أن الإمام أحمد اتهم بأنه من الخوارج، وكذلك اتهم ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وأما اتهام محمد بن عبد الوهاب فأشهر من أن يذكر في هذه العجالة.
نعود إلى شرح عبارة: لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله. وأنا أقسم البحث إلى نقاط ليسهل فهم المراد.
الأمر الأول: إن كثيرا من القواعد الأصولية والعقائدية -كهذه القاعدة- تكون تد نشات في ظروف خاصة، لمعالجة هذه الظروف، ولا ينبغي للمسلم الفقيه أن يتعامل مع هذه القواعد كما يتعامل مع النص المعصوم، بل على الفقيه أن لا ينسى الأحكام الخاصة المتعلقة بالحادثة المعروضة أمامه، وقد بين الإمام الشاطبي في كتابه"الموافقات"شيئا من هذا، حيث نبه على أن الكليات لا تغني عن الجزئيات.
الأمر الثاني: كون هذه القاعدة نشأت في ظروف خاصة فهذا معروف، إذ أنها قبلت كقاعدة استقرائية في الرد على الخوارج، والخوارج بينهم وبين أهل السنة عموم وخصوص، واتفاق وافتراق، فالقدر الجامع بين أهل السنة والخوارج هو التكفير بالإشراك، وبالأعمال المكفرة، فأهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، وكذلك الكفر قول وعمل، فكما يكفر المرء بعمل القلب وقوله، فكذلك يكفر بعمل الجوارح وقول اللسان، فالردة في تعريف الفقهاء هي: قطع الإسلام بقول أو كفر أو اعتقاد أو شك، تال الحصني الشافعي: الردة في الشرع: الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وقطع الإسلام، ويحصل تارة بالقول، وتارة بالفعل، وتارة بالاعتقاد، وكل واحد من هذه الأنواع الثلاثة فيه مسائل لا تكاد تحصر. ا. هـ. كفاية الأخيار- (2/ 123) ، وكذلك قال الشيخ"مرعي الكرمي"في"دليل الطالب لنيل المطالب": ويحصل الكفر بأحد أربعة أمور: بالقول وبالفعل وبالاعتقاد وبالشك. ا. هـ. منار السبيل (2/ 256،257) .
وهذا الجانب من التكفير يلتقي فيه الخوارج مع أهل السنة، أما جانب الافتراق: فأهل السنة لا يرون المعاصي على مرتبة واحدة، بل هي كما ذكرها الله تعالى في كتابه بقوله: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} فهناك من المعاصي (القولية والعملية) ما هي كفر ومنها ما هو فسق ومنها ما هو عصيان، فمن أتى المكفر فهو كافر، والخوارج لا يرون المعاصي إلا درجه واحدة، وأنها كلها كفر بلا تفصيل، فحكم ساب النبي أو الساجد لصنم أو لابس الصليب هو كحكم الزاني والسارق وشارب الخمر.
الأمر الثالث: أهل السنة يعتقدون أن المعاصي غير المكفرة قد ترتقي إلى درجة المكفرة بأمرين:
1 -باعتقاد حل المعصية (وهو الاستحلال) ، فإذا علم المرء أن الزنا قد حرمه الله، وهو يقول بحله فهو كافر بهذا الاعتقاد لا بفعل الزنا، فعل المعصية أو لم يفعلها، لأنه بهذا رد حكم الله تعالى وهو كفر ولا شك.
2 -بطاعة المشرك في حكمه: قال تعالى: {ولا تكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} الأنعام121، قال ابن كثير في تفسر قوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} : أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره، فهذا هو الشرك كقوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ا. هـ. التفسير (2/ 171)
وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم خاسرين آل عمران149. قال ابن جرير الطبري: إن تطيعوا الذين كفروا يعني الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، فيما يأمرونكم به، وفيما ينهونكم عنه، فتقبلوا رأيهم في ذلك، وتنتصحوهم فيما تزعمون أنهم لكم فيه ناصحون. {يردوكم على أعقابكم} يقول: يحملونكم على الردة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام. ا. هـ. جامع البيان(4/ 122) .