فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 257

الأمر الرابع: إذا اشتراط الاستحلال في المعاصي لتكون كفرا ليس في أي معصية بل في المعاصي التي لا تكون كفرا، وأما المعاصي المكفرة بذاتها فإنها تنقض أصل الإيمان سواء استحلها المرء أم لم يستحلها، أي حتى لو اعتقد أن الله حرمها فإنه يكفر ولا شك. قال أبو البقاء في كلياته: والكفر قد يحصل بالقول تارة وبالفعل أخرى، والقول الموجب للكفر إنكار مجمع عليه فيه نص، ولا فرق بين أن يصدر عن اعتقاد أو عن عناد أو استهزاء. ا. هـ إكفار الملحدين (ص86) .

الأمر الخامس: الذين يعتقدون أن شرط الاستحلال هو لجميع الذنوب -المكفرة وغيرهما- هم فرقة مبتدعة؛ وهم المرجئة، ولذلك يطلقون هذه القاعدة: لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا يقيدونها لا عقيدة ولا عملا، وهم -أي المرجئة- لم يقلون شرا عن الخوارج، والمرجئة يلتقون مع أهل السنة باشتراط الاستحلال في غير المكفرات.

ولغلبة الإرجاء فقد صارت هذه القاعدة"لا نكفر أحدا من أهل ..."تعمل في جميع الذنوب المكفرة وغير المكفرة، وقد نبه العلماء على هذا الأمر، ولم يطلقوا هذه القاعدة، فقد رأينا الإمام أحمد كيف ردها، وقد نبه ابن أبى العز الحنفي في شرحه على الطحاوية على هذا الأمر قائلا: ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدا بذنب، بل يقال لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج، وفرق بين النفي العام ونفي العموم. والواجب إنما هو نفى العموم. ا. هـ. شرح الطحاوية (ص293،294) .

هل الجحود هو الاستحلال؟ وهل عبارة الإمام الطحاوي في متن عقيدته:"ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه"، هل هي عبارة صحيحة أم لا؟، نقول وبالله التوفيق: بعض أهل العلم يسوي بين الجحود والاستحلال، ويجعلها بمعنى واحد، وهذا القول مقبول من وجه جعل الاستحلال جحودا، إذ أن المستحل (أي اعتقاد الحل لما هو محرم) هو جحود لحكم الله تعالى، ورد له، أما أن يكون الجحود هو عين الاستحلال فلا يستقيم من جهة اللغة والحال، فالجحود هو الرد لعدم الإقرار وهذا يدخل فيه تحليل الحرام كما فيه تحريم الحلال، كما فيه كذلك رد الأخبار وعدم تصديقها، وعلى هذا فالجحود هو أشمل من الاستحلال، والجحود في عبارات السلف لا يتقيد بالعمل القلبي فقط كما هو أمر الاستحلال، بل هو شامل للعمل مطلقا، ظاهرا وباطنا، فقد يجحد الرحل بقلبه، وقد يجحد بعمله، وقد يجحد بلسانه، وقد يجحد باجتماع اثنين منهما أو بهم جميعا، قال ابن حزم في تعريف الكفر: وهو في الدين صفة من جحد شيئا مما افترض الله تعالى الإيمان به، بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معا، أو عمل عملا جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان. ا. هـ. انظر الأحكام (1/ 45) وأما قول الراغب الأصفهاني في مفرداته (ص122) في تعريف الجحد لغة:"إنكارك بلسانك ما تستيقنه نفسك"، فهو تعريف قاصر. فالتكذيب المنافي للتصديق، والامتناع والإباء المنافي للانقياد كلاهما في لفظ الأوائل يدخلان في مسمى الجحد.

أما الجواب في تحقيق عبارة:"ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه"فهو:

أ- إن كثيرا من المسلمين يخلط بين سبب الكفر ونوع الكفر، فسبب الكفر هو العلة التي يناط بها التكفير، أما نوع الكفر فهو الدافع لحصول هذا الكفر، فالواجب على المسلم أن يعلق حكم التكفير -وهو حكم شرعي، مورده الشرع، ولا مجال للعقل فيه- على سببه لا على نوعه وشرح هذا الكلام كالتالي:

ذكر أهل العلم أنواع الكفر فقالوا: إن الكفر أنواع، فمنه كفر الإباء ومنه كفر الإعراض، ومنه كفر الجحود، ومنه كفر التكذيب، ومنه كفر الاستهزاء ... وهكذا، فهذه وأمثالها مما ذكرها أهل السنة تبين سبب حصول الكفر من فاعله، ولا تبين لنا الفعل والعمل الذي كفر به فاعله، فقاتل النبي كافر بإجماع أهل الملة، وهذا سبب الكفر، ولكن لو أردنا أن نعرف ما هو الدافع للقتل لاختلفت من إنسان لآخر، فهذا قتله لتكذيبه أنه نبي، وهذا قتله حسدًا له مع تصديقه له، وهذا قتله لاستكباره عن قول الحق الذي بعث به، فكما نرى أن الأنواع تختلف، ولكن السبب متحد، فهل نكفر الرجل بالنوع أم للسبب؟ الجواب هو التكفير يعلق على السبب المكفر بغض النظر عن بحثنا عن النوع الدافع لهذا السبب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت