ومثال آخر: رجل داس المصحف برجله، فهذا سبب الكفر، ولو ذهبنا نبحث عن نوع الكفر لاختلفت في الناس كما هو حال قتل النبي، فالمسلم مطلوب منه أن يعلق حكم التكفير على السبب لا على النوع، وإن كانت الأسباب المكفرة مهما تعددت وتشعبت وعجز المرء عن حصرها، فإنها داخلة جميعها في أنواع الكفر، ولكن الحكم بالتكفير راجع إلى السبب لا النوع.
ب- أنواع الكفر عند أهل السنة والجماعة متعددة كما هو معلوم، وليست قاصرة، على نوع واحد، لأن الإيمان عندهم هو التصديق الملازم للإقرار والمتابعة، والكفر هو ضد التصديق وضد الإقرار، فضد التصديق هو الكذب والجحود والاستحلال والشك، وضد الإقرار والمتابعة يدخل الإعراض والاستهزاء، والإباء والاستكبار وغيرها. ولما كانت بعض الفرق البدعية وهم المرجئة يقصرون الإيمان على معنى التصديق فإنهم يقيدون الكفر بضده، وهو التكذيب والجحود القلبي والاستحلال والشك، فإنهم يشترطون في العمل المكفر (الذي سماه الله كفرا) أن يكون مصاحبا لهذه الأنواع المذكورة (وهى الجحود والاستحلال والشك) ، ولذلك عندهم لابد من تحقق وجود التكذيب أو الجحود القلبي أو الاستحلال أو الشك المصاحب للفعل، وشرح ذلك: لو أن رجلا قتل نبيا فإنه عند أهل السنة كافر بغض النظر عن أمر قلبه، فقتل النبي كفر، سواء قتله لعدم تصديقه أو لعدم متابعته مع تصديقه، وأما المرجئة، فإن قتل النبي ليس عملا مكفرا بذاته، فلا بد من النظر إلى الدافع، فإن قتله لتكذيبه أو لجحده أو لشكه بنبوته فهو كافر، وأما إن قتله وهو معتقد بنبوته، مصدق لما جاء به، فالأمر عندهم حينئذ مختلف، فبعضهم لا يحكم بكفره مطلقا (وهؤلاء كفرهم أهل السنة) وبعضهم يحكم بكفره ظاهرا، مع اعتقاده إيمانه في الباطن والآخرة، وبعضهم سماه كفرا لقوله: إنه لا يتصور قاتل النبي صلى الله عليه وسلم إلا مكذبا لنبوته، إذ يمتنع تصديقه بنبوته وقتله إياه، فهؤلاء هم فرق المرجئة، وطبقاتهم في الأعمال المكفرة (انظر أقوالهم في"شرح العقائد النسفية"لسعد الدين التفتازاني، وفي"شرح جوهرة التوحيد"لإبراهيم الباجوري) ، وأما أهل السنة فيقول إمامهم أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: ومما أجمع على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد، المؤمن الذي آمن بالله تعالى، وبما جاء من عنده، ثم قتل نبيا، أو أعان على قتله، ويقول قتل الأنبياء محرم، فهو كافر. ا. هـ. تعظيم قدر الصلاة للمروزي (2/ 930) .
ومن الأمثلة كذلك الموالاة فقد سمى الله موالاة الكفار كفرا، قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ، وقد ذكر ابن حزم أن الإجماع منعقد على إجراء الآية على ظاهرها، أي أن من تولى الكفار هو كافر مثلهم.
ومن الأمثلة على ذلك من دعا غير الله تعالى من الأموات والشياطين فإن هذا الفعل كفر وشرك، وأهل السنة يحكمون على فاعله بالشرك بغض النظر عن اعتقاده، أي الدافع لهذا الفعل، وأما المرجئة فإنهم يشترطون الاعتقاد بربوبية المدعو من قبل الداعي ليحكم بكفره وشركه، ولهذا رد عليهم ابن الوزير في كتابه"إيثار الحق على الخلق" (ص419) قائلا:"وعلى هذا لا يكون شيء من الأفعال والأقوال كفرا إلا مع الاعتقاد، حتى قتل الأنبياء، والاعتقاد من السرائر المحجوبة، فلا يتحقق كفر كافر قط إلا بالنص الخاص في شخص شخص".ا. هـ.
ج- كلامنا المتقدم هو في الأعمال والأقوال المكفرة، وهي التي سماها الله كفرا، أو أجمع العلماء على تكفير صاحبها، أما الأعمال غير المكفرة بذاتها، فإنها لا بد لها من مصاحب يحكم على صاحبها بالكفر والمصاحب هو الذي يسمى بالاعتقاد، سواء كان جحودا أو استحلالا. فالبحث عن الجحود القلبي ليحكم على صاحبه بالكفر هو في الأعمال التي لا يكفر صاحبها بها، أي بمجرد عملها أو قولها.
وعلى هذا فإننا نخلص إلى النتيجة التالية، أن قول القائل: لا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه هي على معنى صحيح في وجه، وخطأ على معنيين آخرين:
أولا: المعنى الصحيح: أن شرط الجحود القلبي للتكفير هو للأعمال والأقوال التي لم يحكم الله تعالى بكفر صاحبها بمجرد اقترافها، بل هي الأعمال والأقوال النازلة عن درجة الكفر الأكبر.
ثانيا: أما الخطأ فحملها على معنيين اثنين: