فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 257

بنظرة يسيرة ندرك أن أمتنا فيها أمراض ذهنية وأمراض نفسية، والعلاقة بينهما علاقة تضامنية ومطردة، كل مرض يدفع المرض الآخر للارتقاء والتنمية، النفس تمد العقل بالهوى، والعقل يبرر هذا الهوى على صورة أفكار تحمل سمة العلم والبحث، ومنشؤهما: الظن والهوى {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى} ، وجذور الأمراض النفسية هي نفسها جذور الأمراض الفكرية، لكن الغريب أن سبب هذه الأمراض هو الدعوى أن الأمة بحاجة لمناهج جديدة وطرق جديدة لصد الخصوم الخارجيين. وتحت دعوى تطوير الخطاب يتم تطوير المضمون (أي حرف المضمون) ، فيتجدد الدين أي يصبح شيئا جديدا لا يعرفه الأوائل.

كيف نشأت دعوى تطوير الخطاب الديني؟:

نحن أمام تجربة سبقت في تمرير مفاهيم بدعية ضلالية، وقد قاومتها الأمة أحسن مقاومة ولكنها استطاعت لأسباب قد نأتي على ذكرها يوما أن تقتحم السور وتستقر في داخله كممثلة وداعية للإسلام الصافي.

مضمون الدين مرتبط بطريقة الخطاب ارتباطا حتميا، وما من محاولة يقوم بها أهل الأهواء لتطوير الخطاب إلا ويكون القصد (ويقع بالفعل) حرف الدين عن مفاهيمه الصحيحة، وما من محاولة لحرف الدين عن مفاهيمه الصحيحة إلا ويضطر أصحاب هذا الانحراف إلى استخدام ألفاظ جديدة وبنى للخطاب الديني، وخلال مسيرة التحريف يرفع أصحاب الأهواء راية التقدمية والعقلانية وينبزون خصومهم بألقاب الرجعية والحشوية والتزمت.

وعلى الرغم من أن أهل الأهواء في هذا الباب تتفاوت مراتبهم وتتباين درجاتهم إلا أن أغلبهم يريد أن ينشئ فقها جديدا، وتسيير بدعة جديدة بين المسلمين.

مراتبهم تتفاوت من نبز الخصوم (والخصوم هنا هم أهل الحديث والأثر) بالعقلية الفقهية، إلى درجة تسميتهم بالأرثوذكسية الإسلامية.

أصحاب الأهواء هؤلاء ليسوا بدعة نابتة في يومنا هذا، بل لهم امتداد زمني منذ (1200) سنة هجرية مضت ودعوى الإبداع هي دعوى خبيثة لا جذور لها، بل هي قائمة على الكذب والتضليل.

فالمعتزلة يسمون أهل الحديث بالحشوية، وقصدهم من ذلك أن أهل الحديث لا يعملون عقولهم في النص، بل دورهم التقليد والاتباع وهو دور العوام وضعاف العقول من الناس. وسموهم كذلك غثاء وغثراء (أي سفلة الناس) . وكذا قلد المعتزلة المتكلمون من أشاعرة وماتريدية. أما هم فذهبوا يتقنعون بأردية الألقاب الرنانة كأهل العدل والتوحيد، وأهل الحكمة والنظر، وأبصر الناس بمقاصد الشريعة، ومآلات الأمور.

أما تفاوتهم الذي تكلمنا عنه فهو واقع ولا شك في عصرنا هذا، ولكنهم كلهم مجمعون على تحطيم الذهنية الفقهية في التعامل مع الأمور، ويأنفون من الأبحاث الأصولية التي تنهج الطرق السلفية في البحث والنظر.

إن العقلية الفقهية هي التي تحمي المرء من الانزلاق في الأهواء الردية تحت دعوى حرية البحث وتجديد الخطاب الديني، أو تحت دعوى وجود اختلاف وجهات النظر الفكرية.

وقبل أن أضرب الأمثلة على هذه الطريقة الخبيثة فإن علينا أن نتذكر أن هؤلاء القوم يزعمون أن قيامهم بهذا المطلب -وهو تجديد الخطاب وبالتالي تجديد المضمون- إنما هو لحرصهم الشديد على إعطاء الإسلام قوة وآلية جديدة لتستطيع الوقوف أمام المد التغريي العاتي. لقد سمح المبتدعة الأوائل لأنفسهم هذا الابتداع وهذا التطور المزعوم تحت دعوى موافقة الشريعة للحكمة اليونانية، حتى لا ينشأ في عقول العوام اهتزاز من صلاحية الشريعة وصواب مقولاتها.

التفاوت يمتد من العلمانية المائعة (وهو اصطلاح يطلقه العلمانيون الملحدون والذين يرفضون التبرير للعلمانية من خلال مرجعية مقدسة مثل القرآن والسنة، وإنما مرجعية العلمانية عندهم هو الإنسان مستقلا، والمقصود عندهم بالعلمانية المائعة الذين يبررون للعلمانية ويحتجون لها بالكتاب والسنة والتراث) وهذا الأساس يدخل في قيده كم طائل من المثقفين والمفكرين (كما يحلو للناس أن يسموهم) وعلى رأسهم:

1 -حسن حنفي: ومشروعه التراث والتجديد، وانظر كتابه"من العقيدة إلى الثورة".

2 -محمد عابد الجابري: ومشروعه نقد العقل العربي ويقصد العقل الإسلامي.

3 -محمد أركون: ومشروعه نقد العقل الإسلامي.

وغيرهم الكثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت