فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 257

أراد هذا الوليد أن يربط المسلم بالنص من خلال طرحه لمسائل يومية ملحة عليه ويتعامل معها دوما، فهناك صفة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم كأنك تراها، وهناك أحكام الجنائز، وهناك أحكام الحج، وهناك أحكام المولود، وهناك .. وهناك .. وهي كتب أرادت إحياء النص ليتعامل معه المسلم مباشرة، وما إن أقبل الشباب المسلم عليها بلهف وشوق، ولعوامل قدرية سننية كان البعض من المشاركين في هذه الكتب يجني بعض المغانم المادية، وللقاعدة المتبعة في اتهام الخصوم (تغيير شكل من أجل الأكل) فإن الفكرة ما لبثت أن ماتت في مهدها، فظهرت الكتب المذهبية الجديدة، والعصبية المتطورة فكتاب صفة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم صار مختصر صفة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد يتوهم سلفي أن المختصر إنما هو الاقتصار على ذكر النص الحديثي فقط، وبدون زيادة، أي من غير ذكر الاجتهادات الخاصة والرؤى الذاتية ولكن خاب ظنهم، فقد كان المختصر هو إزالة النص المعصوم والإبقاء على متن هو خلاصة رؤى ذاتية واجتهادات خاصة، ولما سأل سائل لم فعلتم هذا؟ كان الجواب: من أجل أن لا نشغل العوام بما لا يعنيهم، ولتقريب الفقه إلى غمار الناس، ومن أراد معرفة الدليل فليرجع إلى أم الكتاب وأصله.

وهكذا صنعت الكتب الأخرى كأحكام الجنائز وغيرها. وعادت السلفية مذهبية وتقليدا.

وهذه الحجج التي قيلت هي هي بعينها حجج أهل التقليد الأوائل، فالإمام السلفي محمد بن إدريس الشافعي حين ألف كتابه القيم"الأم"وهو كتاب فقهي جامع للنص واجتهادات الإمام من تصحيح حديث ومن استنباط مسألة، وهو إمام عظيم كان ينهى أتباعه عن التقليد، وبدأ تلاميذه يعلقون على كتابه ويزيدون وينقصون، وبعد طورين أو ثلاتة من وفاة الإمام نشط بعض أتباعه بتقريب فقه الشافعي للعوام، فما كان منهم إلا أن اجتهدوا فاختصروا الكتب بأن أبقوا على نصوص الإمام، وأزالوا الأدلة وقالوا للناس ما قاله أتباع المذهب الجديد، وعلى ضوء هذا تشكل مذهب الشافعي، وهو من هو في نهي الناس عن التقليد، ولو استشير في زمانه أن يكتبوا رأيه بلا دليل لاستشاط غضبا، ولبين لهم ضلال فعلهم وصنيعهم، ومثل مذهب الشافعي تشكلت كثير من المذاهب الفقهية الأخرى من حنفي ومالكي وحنبلي إلى غير ذلك، وهم على كل حال تشكلت مذاهبهم بالصورة المقيتة بعد وفاتهم، وجزما بعد وفاة تلامذتهم المباشرين لهم، ولكن مذهبيتنا المعاصرة تشكلت في عصر أئمتنا ومشايخنا.

ولما سقطت صورة التقديس الباطلة من نفوس الشباب نحو الأئمة وغرست في نفوسهم مقولة: أنهم بشر، يخطئون ويصيبون، فصار من الأمر المعتاد، والمشاهد المألوفة أن تجد طالبا مبتدئا أتقن مسألة علمية وبحثها بحثا مقبولا أن يكتشف خطأ أبي حنيفة أو غيره من الأئمة، فيعلن بكل صراحة أن مذهب الحنفية أخطأ في هذه المسألة، وهي صورة لا تنكر إن قامت على سوق صحيحة، ولكن مذهبيتنا الجديدة صنعت قداسة جديدة لأئمة محدثين، وصار من الجرم الذي لا يغفر، والذنب الذي لا يتاب منه أن تقترب من حمى الشيخ، أو أن ترد عليه.

وقد جاهدت السلفية الأولى أن تعمم الفقه خارج دائرة المذاهب الأربعة فصار من العلم وسماته أن يذكر المرء رأي ابن حزم الظاهري أو رأي أهل الحديث كالبخاري ومسلم، ولكن عباقرتنا الجدد يأبون علينا أن نخرج عن لفظ الأربعة، فلا رأي يقبل ولا قول يحترم إلا إذا خرج من تحت عمائم الشيوخ"السلفيين"وعددهم أربعة، قد يتفقون على اثنين أو ثلاثة ثم يختلفون في الباقي. هذا ما كان من أمر الظن والتقليد، أما تحرير الإرادة فلها مجال آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت