فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 257

لكن ههنا مسألة وهي: هل يعني الكلام المتقدم أن كل من شارك في العملية الانتخابية التشريعية كافر ولا عذر له؟.

الذي أعتقده أن الجواب يأتي بالنفي، وسبب ذلك:

1 -أن واقع العملية الانتخابية التشريعية كما هي في دستور أصحابها لم تتضح لكثير من علية القوم من علماء ومشايخ وقادة، فهي لا زالت في عالم المجهول، فعذر الجهل واقع لا شك، وعلى الإخوة الذين تبين لهم حقيقتها تمام التبين أن لا يعاملوا الناس على هذا الأساس، فما"يزال الأمر يحتاج عند الآخرين لكشف وتبيين، وخاصة أن أمرها هو من الحداثة الجديدة التي لم يتكلم عليها السلف حتى تكون واضحة للأمة، والجهل بالواقع مانع من موانع لحوق الحكم، فلو أن رجلا قال كلمة يظنها مدحا وهي في حقيقتها قدحا، فإنه لا يؤاخذ بها لجهله بحقيقتها كالعجمي في لغة العرب، والعربي في لغة العجم."

2 -إن الفتاوى الكثيرة لمشايخ ينظر إليهم الناس كأمناء على منهج السلف بجواز الدخول في العملية البرلمانية تجعل هذه المسألة من المشتبهات على الناس، فقد قامت جريدة خاصة بحزب الإصلاح اليمني بتجميع أقوال المشايخ الذين أجازوا هذا الطريق الشركي خلال حمى الانتخابات البرلمانية اليمنية مما أوحى للقارئ أن المسألة لا خلاف حولها، فهذا ناصر الدين الألباني (وقد قيل إنه غير رأيه) وهذا ابن باز وابن عثيمين وعبد الرحمن عبد الخالق، ويوسف القرضاوي ومحمد الغزالي .. وغيرهم ممن لا تحصيهم هذه الورقات كلهم أجازوا لمن أراد الإصلاح أن يرشح نفسه للبرلمان، وأوجبوا على الناس (وجوبا) أن ينتخبوا الأصلح، مما يجعل هذه المسألة من المشتبهات، وقد تبين من كلام السلف وخاصة من كلام ابن تيمية أن مثل هذه المسائل التي تدق أو تخفى يعذر بها المرء.

ولكن لا تمنع هذه الأعذار لحوق حكم الكفر بالبعض لإبائه واستكباره بعد علم الأمر ووضوحه.

ثم هناك مسألة وهي: هل الحكم القضائي يعامل الناس باعتقاداتهم أم باعتقاد القاضي والحاكم؟.

أهل السنة والجماعة لا يعاملون المخالفين بعقائدهم الباطلة، ولا بالتزاماتهم البدعية، فالخارجي وإن كان يكفر مخالفيه بالذنوب غير المكفرة، فإنه لا يجوز للسني أن يحكم على الخارجي بالكفر إذا اقترف كبيرة من الكبائر، بحجة أن هذا الرجل قد كفر حسب مقتضى عقيدته، فهذا خطأ، فإن السني يعامل الناس باعتقاده هو لا باعتقادات الناس الباطلة البدعية.

والقاضي يحكم على المذنب باعتقاده هو لا باعتقاد المذنب: فلو أن رجلا ترك الصلاة بحجة أن تارك الصلاة في بعض مذاهب العلماء لا يكفر، ثم رفع هذا الرجل إلى القاضي وكان القاضي يرى كفر تارك الصلاة، فإن القاضي يحكم بكفره، ولا ينظر إلى اعتقاد المرء في ترك الصلاة، ثم لو كان هذا الرجل حنفيا مثلا وهو لا يعتقد أن تارك الصلاة حكمه القتل، فإن القاضي يحكم بقتله ردة، ولا عبرة باعتقاد المذنب، فنحن لا نعامل الناس بمذاهبهم الباطلة، ولا بموازينهم الردية، بل عند أهل السنة من الحق ما يكفيهم ويغنيهم عن أخذ باطل الآخرين وأقوالهم الضعيفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت