تكلمنا عن وجوب دخول المرء في جماعة وحزب، وهذه ضرورة شرعية وعقلية، وقد يسأل المرء الآن ما هي صفات الجماعة والحزب الذي يملك الحق، وهو الذي يجب على المسلم أن ينتسب إليه ويدخل تحت لوائه؟:
الجماعة المطلوبة والحزب الشرعي لا بد أن يكون حاملا لمواصفات الطائفة المنصورة التي مدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تكون جماعة حق وحزب هدى، وكلما اقتربت الجماعة من هذه الصفات كان وجوب طاعتها ألزم وأوجب، وكلما كان الانتماء إليها أصوب وأهدى، والطائفة المنصورة التي مدحها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث لم يتركها صلى الله عليه وسلم هملا من غير بيان وشرح، بل كشفها بأشد بيان وأفضل تفصيل، فما هي صفات الطائفة المنصورة من نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
هذا الحديث المتقدم يكشف لك صفتين من صفات الطائفة المنصورة، ويجليهما لك أجلى بيان وأوضحه.
الصفة الأولى:
لو أمعنت النظر في الحديث المتقدم -حديث سلمة رضي الله عنه- لرأيت سبب ورود الحديث هو أن جماعة أعلنوا توقف الجهاد، فأذالوا الخيل (أي تركوها من غير عناية ولا تدريب) ووضعوا السلاح وقالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها. فسبب ورود الحديث هو إعلان توقف القتال، وجاء الرد حاسمًا وقاطعًا لا يحتمل تأويلا، فقد رد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (( كذبوا، الآن جاء دور القتال ) )، إذ القتال لم يتوقف، وليس هناك سبب موجب لتوقفه، أو إعلان انتهائه، وكيف ينتهي، وفي الأرض أقوام زاغت قلوبهم؟.
ثم مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم أقوامًا أوفياء للقتال، و لم يذيلوا الخيل، ولم يضعوا السلاح بل هم مقاتلون دومًا ومحاربون في كل حين: (( ولا يزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق ) ). هكذا وصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائفة المنصورة، وهكذا بين لأمته، وإذا جاء نهر الله ذهب نهر معقل، فإذا جاء نص رسول الله صلى الله عليه وسلم فماذا بقى لغيره؟ وماذا عساه (أي غيره) أن يقول؟ إنه لن يقول إلا باطلا، كائنا من كان هذا الغير، سواء كان هذا الغير ممن ظن أن تجارة الورق بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخله في الطائفة المنصورة، أو كان هذا الغير يرى أن جعجعات المنبر تشفع له فتجعله من جماعة الحق والهدى.
نعم إن الطائفة المنصورة سبب ورود حديثها هو إعلان توقف القتال، أو قول بعضهم في كل زمان وفي كل آن (إلا ما يأتي من زمن عيسى عليه السلام مع يأجوج ومأجوج) أن هذا الزمن لا قتال فيه ولا جهاد، أو كقول بعضهم هذا الزمن: كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة، أو كقول بعضهم: كونوا أحلاس بيوتكم. وكلها كلمات حق تنزل على معان باطلة، ومعان فاسدة.
إن أمر القتال هو أمر إلهي ليس لأحد أن يبطله، وإن رام أحد أن يزوره أو يماحكه فيكفيه ابتداء أنه لم يتشرف بموقع له في الطائفة المنصورة، بل هو مخذول ومن طائفة الخذلان، وسيبقى شاعرا أبد الدهر أنه مخذول ومهزوم، وأن الباطل بغطرسته أقوى من الحق والإسلام الذي يملكه.
إن طائفة الحق والنصر هي طائفة تستشعر العزة مع ضعفها، وتمتلك غنى القلب مع فقرها، قد تكون رثة الثياب، قليلة المتاع، فقرة الحال، لكنها وهي ترتفق أسلحتها، وتناجي خيولها هي منصورة بفضل الله وقوته، وهذه الطائفة (لا تزال) ولن تزول، ولا تتوقف، ولن تتوقف، إذ أن المرء لا يتوقف عن القتال وعن مناجاة الحرب وسجالها إلا من سلبت منه رجولته، بعد أن سلبت منه معاني العزة بهذا الدين العظيم، والطائفة المنصورة ليست كذلك بإذن الله تعالى.
هذه هي الصفة الأولى للطائفة المنصورة، رضي من رضي وسخط من سخط، ومن سخط فليسخط على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحق لن يضيره أن يعرض عنه أكثر الناس.
الصفة الثانية:
في الحديث المتقدم بين لنا الرحيم بأمته الشفيق علينا موارد الاقتصاد والطعام والغذاء والمال للطائفة المنصورة: يقول صلى الله عليه وسلم: (( ويزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله ) ).