فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 257

من المعلوم أن التكفير حكم شرعي، إذ يجب على المسلم أن يكفر من كفره الله تعالى، وهو مرتبة موجودة ولا شك، وإذا قلنا إن التكفير حكم شرعي، فإنه لا دور لدليل العقل فيه البتة، فلا يجوز للمسلم أن يكفر أحدا إلا بدليل سمعي، أو باجتهاد، أي بقياس على الدليل السمعي، كما قال ابن القيم في نونيته:

الكفر حق الله ثم رسوله *** بالنص لا بقول فلان

من كان رب العالمين وعبده *** قد كفراه فذاك ذو كفران

وقد ظن من لا خبرة له أن التكفير حكم في المطلق، ولا يجوز فيه التعيين، بمعنى: يجوز لك أن تقول: من فعل هذا الفعل أو قال هذا القول، أو اعتقد هذا الاعتقاد كافر، لكن إن وقع هذا الفعل أو القول أو الاعتقاد من هذا الشخص، أي من شخص معين، فلا يجوز لك أن تقول فلان كافر.

وهذا خطأ وشذوذ عن منهج السلف، فإن السلف كثيرا ما أطلقوا لفظ التكفير في حق أعيان على وجه الخصوص، وإليك بعض الأمثلة:

1 -قال البخاري: دخلت على الحميدي (شيخ له) وأنا ابن ثمانية عشرة سنة، وبينه وبين آخر اختلاف في حديث، فلما بصر بي الحميدي قال: قد جاء من يفصل بيننا، فعرضا علي، فقضيت للحميدي على من يخالفه، ولو أن مخالفه أصر على خلافه، ثم مات على دعواه، لمات كافرا. ا. هـ. سير أعلام النبلاء (12/ 401) .

2 -قال ابن تيمية: ولم يمدح"الحيرة"أحد من أهل العلم والإيمان، ولكن مدحها طائفة من الملاحدة، كصاحب"الفصوص"ابن عربي وأمثاله من الملاحدة الذين هم حيارى .. فخرج هؤلاء عن العقل والدين، دين المسلمين واليهود والنصارى. ا. هـ. الفتاوى الكبرى (5/ 59) طبعة دار الكتب العلمية.

3 -قال محمد بن عبد الوهاب في رسالة له: نذكر لك أنك أنت وأباك مصرحون بالكفر والشرك والنفاق ... وأنت وأبوك لا تفهمون شهادة أن لا إله إلا الله، أنا أشهد بهذا شهادة يسألني الله عنها يوم القيامة، إنك لا تعرفها إلى الآن ولا أبوك، ونكشف لك هذا كشفا بينا لعلك تتوب إلى الله، وتدخل في دين الإسلام إن هداك الله. ا. هـ. الدرر السينية-حكم المرتد (ص 61/ 62) .

والأمثلة لا تكاد تحصر في تكفير الأئمة للمعينين.

ولكن مما ينبغي التنبيه إليه أن حكم التكفير هو كالحكم القضائي، فإنه لا يطلق إلا بعد تحقق شروط التكفير في المعين، وانتفاء الموانع الشرعية التي تمنع لحوق التكفير فيه.

والخطأ في التكفير يقع بأسباب منها:

1 -عدم ثبوت التهمة على المعين، فقد ينسب قول أو فعل أو اعتقاد مكفر لمعين، ولا يكون هذا المعين فاعلا لهذا المكفر.

2 -التكفير بالأفعال والأقوال المحتملة غير الصريحة، والتي تحتاج إلى معرفة قصد القائل والفاعل حتى يتبين المراد منها، ومنه التكفير باللوازم.

و أما التكفير المذموم، وهو الذي يقع من أقوام يستحقون الدخول في مسمى الخوارج، وهم بحق خوارج هذا العصر، وهم أهل ضلال وفتنة فهم:

1 -من يعتقد أن الأصل في الناس الكفر، وأن الأمة كلها عادت إلى الكفر والشرك، فهو يرى كفر عموم الناس من غير تفريق ولا توضيح.

قال ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: ما ذكر لكم عني أني أكفر العموم فهذا من بهتان الأعداء. ا. هـ.

وشرح أبناؤه هذه العبارة بقولهم: كلام الشيخ في قوله أنا لا نكفر بالعموم، فالفرق بين العموم والخصوص ظاهر، فالتكفير بالعموم أن يكفر كلهم عالمهم وجاهلهم، ومن قامت عليه الحجة ومن لم تقم، وأما التكفير بالخصوص فهو أن لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة بالرسالة التي يكفر من خالفها، وقد يحكم بأن أهل هذه القرية كفار، حكمهم حكم الكفار، ولا يحكم بأن كل فرد منها كافر بعينه لأنه يحتمل أن يكون منهم من هو على الإسلام، معذور في ترك الهجرة، أو يظهر دينه ولا يعلمه المسلمون. ا. هـ.

فالذين يعتقدون كفر الأمة تعميما، ويرون أن الأصل في الناس الكفر في هذا العصر، هم أهل بدعة وضلال، وهم الذين يستحقون الدخول في مسمى خوارج هذا العصر، أما من يكفر رجلا لتحقق التهمة فيه، ثم لعلمه بقيام الحجة عليه، ولأمر صريح لا يحتمل تأويلا ولا غموضا، فهو من المكفرات الواضحة التي لا تحتاج إلى تبين القصد منها، فهذا هو دين الإسلام وغيره بدعة وضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت