والتعميم شر كله، فإن الأمة ما وقعت في التخبط وعدم الفهم عن دين الله تعالى إلا بالشعارات العامة التي يحملها أهل الجهل على العموم دون فهم لمعانيها، أو دون تقييد لها، وهي كما قال ابن القيم:
فعليك بالتفصيل والتبيين *** فالإطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطا *** الأذهان والآراء كل زمان
2 -من يكفر بمطلق الذنوب والمعاصي كما هو مذهب الخوارج، فإنه كما تقدم سابقا أن الخوارج يرون جميع الذنوب على مرتبة واحدة، هي مرتبة الكفر الأكبر.
وهؤلاء كذلك مبتدعة ضلال، وردود أهل السنة عليهم تملأ الكتب.
3 -ومن الداخلين في مسمى خوارج هذا العصر"التكفير"وهم مبتدعة ضلال، هؤلاء القوم الذين يكفرون المخالف لهم، والذين لا يدخلون في طاعتهم وجماعتهم، فهؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم جماعة المسلمين، دون سواهم، والخارج عنهم وكذلك المخالف لهم كافر، هؤلاء من شر أنواع أهل البدع، لأنهم حينئذ لا يتورعون عن قتل مخالفيهم، بل يرون قتل المخالف أكثر قربة وأجرا من قربة قتل الكافر الأصلي أو المرتد.
ولقد رأينا قسما من هؤلاء فوجدناهم من أرذل الناس خلقا، وأفسد الناس نية، وعامتهم يغلب عليهم التقية، إذ يقابلونك بوجه لا يعبر عن شيء من بواطنهم، وهم يصرحون ليل نهار، أن الجماعات الإسلامية وخاصة المجاهدة هي حجر العثرة التي تقف أمام فكرهم المبتدع، وضلالتهم الخبيثة.
وعلى المرء أن يتقى ربه في إطلاق الأوصاف المنفرة، ولا يطلقها جزافا دون تبين وتحقق. وليعلم المسلم أن أمر هذا الدين عظيم، وليس هو مما يمكن للمرء أن يتخذه وسيلة للانتصار على خصومه بالهوى والظن، فإن الخصومة ينبغي أن تكون انتصارا لدين الله تعالى، مع تذكر المرء ربه في كل ما يقول ويذر.
وإن العبد الذي علم منهج أهل السنة على ما هو عليه، ودرسه حق دراسته، وقام له في نفسه حق القيام، ثم علم مأخذ أهل البدع وضلالاتهم، ليأنف من أن تنسب له هذه الألقاب البدعية الخبيثة كالخوارج والتكفير، وإنا نعوذ بالله أن نكفر الناس بالعموم أو بالظن والهوى، كما نعوذ بالله تعالى أن نرضى مذهب الخوارج البدعي، ولسنا ممن يقتنص زلات أهل العلم ليشهرها بين الناس، ولكن حيث صارت العمائم طريقا لستر كفر الطاغوت على الناس، فلا يسع من هو أدنى مما نحن عليه أن يسكت، فكيف يسع من علم شيئا من الحق أن يسكت عنه أو يستره؟ وهل فاعل ذلك إلا شيطان أخرس؟!!.
ثم إن ما نعتقده نقوله، ولا نزمزمه ولا نزخرفه، وحيث كفرنا بكل طواغيت الأرض، ولم نخف ذهاب وظيفة أو راتب، ثم لم نخف سحب جنسية أو جواز سفر، فلن نرهب أحدا إلا خالقنا ومولانا، وهو الذي بيده مقاديرنا ونواصينا.
شرعية جماعات الجهاد وآلية التغيير:
إن شرعية جماعات الجهاد في العالم قامت على عمد، كل واحدة منها تكفي لوجوب الاجتماع لإحياء الجهاد والعمل به دون تردد أو مواربة، وتجعل الخارج عن هذه الجماعات المجاهدة واقع لا شك في إثم ووزر لتقصيره في العمل على إدراك هذه العمد، والإعانة على إحيائها وتنميتها.
إن عقيدة الجهاد في دين الله تعالى قد واجهت من قبل الكفر وأزلامه الهجوم إثر الهجوم، وقد علم أن الكفر بكل صوره لا يمكن زلزلة أركانه وإزالته من مكانه إلا بالقتال، وأنه لا يمكن لدولة من الدول أن ترسخ أركانها وتثبت وجودها إلا بعد دماء وأشلاء، فلا يوجد دولة على ظهر الأرض اليوم وغدا وبالأمس، ذات استقلال ومنعة إلا بعد حروب وحروب، وقتال يأخذ من فلذات أكبادها، ودم شبابها ما تشيب له العثانين، وعلى الناظر أن لا يغتر بما يسمى بالديمقراطية في العالم الغربي، إذ حين يرى بعضهم سهولة ويسر تناوب الأحزاب على السلطة، وتخلي الحكام عن كراسيهم يظن أنه بإمكان المسلمين أن يصلوا إلى الحكم عن هذا الطريق، وهذا خطأ جسيم، إذ أن هذه الأنظمة لم تستقر على الحال إلا بعد حروب طاحنة بين حملة هذه الفكرة (الديمقراطية) وبين خصومهم، وما من دولة تشكلت (وهي مستقلة) إلا بعد حروب مع خصومها.