على الرغم من أن طبقات المرجئة ليست على نسق واحد، وطريقة واحدة، إلا أنها تلتقي جميعا في عدم إدخال الأعمال البدنية في مسمى الإيمان، فبعضهم يرى أن الإيمان هو القول، وبعضهم يرى أن الإيمان هو التصديق القلبي، وآخرون يرون أن الإيمان قول اللسان وتصديق القلب، إلا أنها جميعا لا تعترف أن الأعمال البدنية داخلة في مسمى الإيمان، وترتب على ذلك إرجاء في التكفير، فهناك إرجاء في مسمى الإيمان، وإرجاء في التكفير، وقد ذكرنا طبقات المرجئة، في التكفير، وقلنا إنها ثلاث طبقات في التكفير بالأعمال المكفرة، فهناك طبقة لا تطلق الكفر على من سماه الله كافرا لعمل من الأعمال أو قول من الأقوال مطلقا، وهؤلاء كفرهم أهل العلم، وهناك طبقة لا تكفر بالعمل المكفر أو القول المكفر حتى تتحقق من وجود الاستحلال والجحد، وهؤلاء كفرهم بعض أهل العلم كالإمام أحمد -رحمه الله تعالى- كما ذكر شيخ الإسلام في كتابه"الإيمان الكبير"، وهناك الثالثة: وهي تكفر من كفره الله تعالى من الأعمال المكفرة، وتفسر كفره بسبب الجحد أو الاستحلال، وتقول إنه لعلم الله تعالى أن هذه الأفعال لا تقع إلا من مستحل أو جاهل فقد كفره الله تعالى، وواقع المذاهب المتأخرة التي غلبت على الأمة، أنها تبنت القول الأول والثاني، وقليل من يقول بالقول الثالث، فأغلب المدارس المذهبية على القول الأول والثاني، فالإرجاء لا يعلق أحكام الإيمان على الأعمال، فالناس مسلمون بغض النظر عن أعمالهم، والحكم على الإيمان متعلق بمسائل التصديق والتصور، وما من دين على ظهر الأرض سواء كان سماوي الأصل والوضع، أو أرضي النشوء، إلا وهو يحمل في داخله شقين فيما يتعلق بأتباعه وأصحابه:
الأول: شق يتعلق بالتصور والتصديق. والثاني: شق يتعلق بالأحكام والتكاليف، فالنصرانية المحرفة مثلا، فيها شق يتعلق بالتصور والتصديق مثل عقيدة الخطيئة والفداء والصلب، وأما الأحكام فهناك بعض الأحكام فيما يخص قانون الحرب! إذا ضربك على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر لكنها فيما يتعلق بحملة الأحكام ترتكز على قاعدة"دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، وهي قاعدة تجعل لقيصر الحق أن يفرض من الأحكام ما يحب ويرضى، وأما ما كان لله من أمور التصور وبعض أعمال النسك كالصلاة فهي تعود إليه لا لغيره، ولو أخذنا الشيوعية كمثل آخر، فإنها تحمل في داخلها قضايا تتعلق بالتصور والتصديق مثل نفي عالم الغيب، ومنها قضايا تتعلق بالأحكام والأقضية كالاشتراكية في الاقتصاد، والإباحية في الاجتماع، والدكتاتورية في السياسة والحكم، ولذلك ففي دين الله تعالى تسمى الشيوعية دينا، ولكنها دين باطل كافر، والنصرانية دين لكنها دين باطل كافر. ولفظ الدين قد يطلق على شق التصور والتصديق منفردا، كما يطلق على شق الأحكام والقضاء منفردا، لكن إن أطلق -أي لفظ الدين- من غير تقييد كان شاملا للطرفين. فالشيوعية دين، والاشتراكية دين، والدكتاتورية دين، وهكذا .. وقد اكتشف مشايخنا، وكذلك أمتنا أن الشيوعية كفر وردة، وسبب هذا الاكتشاف المبكر أن الشيوعية تعارض قضايا التصور والتصديق. وهو شق يعلق الإرجاء عليه أحكام الإيمان والكفر. فلو سألت سائلا: لماذا تكفر الشيوعية؟ لقال لك: لأنها لا تؤمن بالغيب. ومع ذلك: لما اكتشفت الشيوعية أنها لم تثمر في الأمة الإسلامية لمصادمتها قضايا التصور، فإنها الآن بدأت تتنازل عنها مقابل نشر قضايا الأحكام والقضاء -الاشتراكية والإباحية والدكتاتورية- ونجحت خطتهم، فقد توقف المسلمون ومنهم المشايخ تكفير الشيوعي، فهذا عدنان سعد الدين -من الإخوان المسلمين السوريين- في لقاء معه مع إحدى الصحف يعترف بوجود الشيوعي المسلم، وأنه لا يستطيع أن يكفر كل شيوعي، فبعض الشيوعيين يصلون الصلوات الخمس، وكذلك الشيخ السلفي محمد بن إبراهيم شقرة -بعد زيارته لموسكو قبل سقوط الشيوعية- اعترف أنه لا يستطيع أن يكفر الشيوعيين لأنه اكتشف أن بعض الشيوعيين الحمر يصلون.