فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 257

قلنا: إنه من السهل أن يعلق مشايخنا أحكام الكفر والردة على شق التصور والتصديق (وهو ما يسمى بالاعتقاد) ، لأنه هو الذي يتعلق بمسمى الإيمان عندهم، وعليه فقط يعلق حكم الكفر كذلك. وأما شق الأحكام والقضاء، لما كان لا يدخل في مسمى الإيمان عند المرجئة، ولا يعلق عليه حكم الكفر والردة، فإن من فرض منهجا يتعلق بالأحكام والقضاء دون تدخل في التصور والتصديق فلن يكفره أحد، أو يكتشف ردته إلا من برأه الله تعالى من جرثومة الإرجاء الخبيثة، وعلى هذا لما جاءت العلمانية -وهي دين- ولم تقترب من قريب أو بعيد في مسائل التصور والتصديق، بل تركت للناس حرية اختيار هذا الشق، وربما دعمت اختيارك وساعدتك، فكونك تؤمن بالغيب أو لا تؤمن بالغيب، أو كون الرجل يصدق باليوم الآخر أو لا يصدق، يؤمن بعذاب القبر أو لا يؤمن، كل هذه الأمور وغيرها بدءا من وجود الله تعالى إلى أي قضية في مجال التصديق والتصور (الاعتقاد) فإن العلمانية لا تعارضك في ذلك كله، ولكنها تتدخل بقوة فيما يتعلق بشق الأحكام والقضاء، فهي تفرض دينها في السياسة، وتطرح دين الديموقراطية، وهي تفرض دينها في الاجتماع، وتطرح دين الحرية الاجتماعية، وهي تفرض دينها في الاقتصاد، وتطرح دين الرأسمالية. فالعلمانية دين شامل لكل الحياة، كالشيوعية والنصرانية والبوذية ... الخ. إلا أنها في مسائل التصور والتصديق تترك للناس حرية اختيارهم (لعقائدهم) مع شيء من الهامش لبعض أعمال النسك، إذا فهمنا هذا أدركنا أن العلمانية استطاعت تمرير نفسها على أمتنا لعدم مصادمتها الشق الذي يعلق عليه المرجئة حكم الإيمان وحكم الكفر، وتبقى مسألتها دائرة في دائرة المعصية فقط، إذ يمكن للرجل أن يكون علمانيا، ولا يقدح ذلك في شيء من إسلامه وعقيدته، وقد يكون الرجل ديمقراطيا مسلما، ورأسماليا مسلما، ... الخ هذه القائمة السوداء. ولا يرى أن هناك مصادمة في هذه الثنائية! فمن هو هذا الرجل الذي يستطيع أن يطلق وصف الكفر على رجل يصوم ويصلي ويؤمن بالغيب، ويصدق ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤمن بأن القرآن كلام الله، ويبكي إذا ذكرت النار، ويفتح كلامه بالحمد له والصلاة وغيرها، ولكنه يمارس العلمانية في شق من أحكامها وقضاياها، ويتبناها منهج حياة، كالديمقراطية أو الرأسمالية أو الحرية الاجتماعية؟ بل من الذي يستطيع أن يكفر رجلا يؤمن بعلمانية الدولة على قاعدة اختيار الشعب لسلطاته الثلاث: التشريعية، والقضائية، والتنفيذية؟.

ومن هنا استطاعت العلمانية (الردة) أن تبسط سلطانها على المسلمين دون أن تجد اعتراضا من مرجئة المسلمين، إلا اعتراضا بمقدار تسمية ما يقوم به العلماني من أعمال أنه عاص لله فقط، ولكنه لا يخرج من دائرة أهل الإسلام، بل ربما يرد عليك المرجئ أن هذه المعاصي التي تقترفها الدولة لا تزيد عن كونها شبيهة بمعاصي الحجاج بن يوسف الثقفي، أو بمعاصي دولة المماليك أو الدولة العثمانية. فدولتنا فيها الخمر وفيها الربا وفيها الزنا وكذلك الدولة العباسية والمملوكية والعثمانية؛ ونحن نقر أنها معاصي وذنوب، ولكن أن يتعلق بهذه المعاصي كفر وإسلام، فهذا لا يجوز، وهذا الحكم انحرافه كبير في فهم الدين أولا، وانحراف آخر يوازيه في فهم الواقع الذي أطلق عليه الحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت