اعلموا أنّ الجهاد لا يقرِّب أجلًا، فلو كنتم في بيوتكم لبرز الموت إليكم، ففرارُكم لن ينفعَكم، ومتاعُ الدّنيا قليلٌ زائل، والذين يظنّون أنّه بالجهاد قد توحّش الخصم، أو ازدادت شروره، وكثْرةُ قتْله للموحّدين والضّعفاء هو جدّ واهم، لأنّه سواء حملتم السّلاح وقاتلتم على دينكم وأعراضكم، أو أنّكم تركتم السلاح وأعلنتم صباح مساء أنّكم ضدَّ العُنف والقتال، فلن يغيّر هذا من الحقيقة شيئًا، وهذه الحقيقة تتجدّد كلّ يوم، فها هي جماعة الإخوان المسلمين تساقُ في مصر إلى السجون، وترمي بنفسها تحت أقدام الكفرةِ المرتدّين وترجو نظرةَ رِضى من قبل وزير الداخلية المصري أن يسمح لها بلقائه، لتشرح له حقيقتها، بل إنها لترجو منهم أن يسمح لوسيط بينهم أن يدخل عليه ويشرح له أنّ جماعة الإخوان جماعة سلميّة، لا تنتهج العنف، بل تتبرّأ منه صباح مساء، ونحن نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وإنّنا والله لنشعر بالخِزي من هذا الموقف، فهل وصلت المهانة والذّلة بهذه الجماعة إلى هذا الدّرك الأسفل؟، إنّه لشتّان بين موقف جماعات التّوحيد والجهاد وجماعة الإخوان المسلمين!! الدّكتور أيمن الظّواهري مع ضعفه وعجزه، يلقي الكلمات كالحمم وكأنّها طلقاتُ مِدفع محمرّ الجَوانب نحو الرّئيس المرتدّ وحكومته، وتَحمِل كلماته الأمَل أنّ فتح مصر لا بدّ منه، وأنّه قريب، مع أنّ الجميع يعلم إلى أيّ درجة هو ضعيف عاجز، لكنّها آيات الله ما زالت تتجلّى في هذا العصر: {ولمّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلاّ إيمانًا وتسليمًا} ، نحسبه كذلك ولا نزكّي على الله أحدًا.
إنّ الرّجال مواقف، فانظر يا عبد الله أين موقفُك، وإنّ الإيمان ليستعلي بذاته حتّى لو كان حبيس السّجن، أو طريحَ الفراش، أو فقير الجَيب، أو مطاردَ الحال.
إنّه ليستعلي في السّجن بخلوته، ومع القتل بشهادته، ومع النّفي بسياحته، ذلك هو الإيمان، وإنّ النّفاق مخذول مع منصبه وشاراته وأمواله وحشمه، لأنّه النّفاق!! {قد يعلم الله المعوّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلاّ قليلًا أشحّة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنةٍ حدادٍ، أشحّة على الخير، أولئك لم يؤمنوا فأحبط أعمالهم، وكان ذلك على الله يسيرا} .
أرأيت أخي: هم، هم، في البأساء والضّرّاء، معوَّقون ومعوِّقون، فإذا أتوا إلى مواطن النّزال أتوا قليلًا، من أجل الرّياء والسّمعة، حتى يرجع الواحد منهم إلى بلدته ويخطب آلاف الخطب، ويجمع آلاف الدّنانير، في الحرب ينصحون بترك المعركة، وفي السّرّاء إيذاء ورميٌ بسوءِ الأقوال من كلِّ جانب، عيونهم مفتّحةٌ، مجهريّة البصر في النّظر إلى الأخطاء والسّقطَات حتّى يسيروا فيها شرقًا وغربًا، لكنّها كلَّةٌ تعِبَة عن رؤية الخير وإبصاره، جيوبهم منتفخة، كريمة على نفسها وعيالها، يبني الواحدُ منهم كأنّه مخلّد، ويجمع المال باستكثار يظهر عليه، حتّى صار الواحدُ منهم يعَدّ من أثرياء بلده، وصارت أموالهم محطّ تندّرٍ من قبل الأعداء والخصوم، بنوكُهم تسجّل في بلاد الـ"واق واق"، تأتيهم هباتُ الملوك وشيكاتُ الهدايا بملايين الرّيالات، من أجل فتاوى رخيصة وخطب قبيحة.