إعادة ترتيب الموازين المائلة في العقول في الحكم على الأشياء والأفعال هي إحدى مهمات الأنبياء المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فالنظر القاصر الضعيف، والعين التي لا ترى إلا هذا العالم فقط وما فيه من حركة ظاهرة لا بد أن تحكم على الأشياء والأفعال حكما قاصرا ضعيفا، فإذا أقام الناس أحكامهم وموازينهم على ما سماه الله تعالى ظنا وهوى فإن الحياة ستختل وتضطرب، والفطرة وإن كانت في أصل خلقتها سليمة معافاة وفيها الصلاحية أن تصيب الحق أو أن تتعرف عليه حين تهدى إليه إلا أن هذه الفطرة قابلة للتبدل والتغير بعد معافستها هذه الحياة- (( فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) )- والهوى له قوة دافعة لتحقيق الشرور، والظن والجهل وسوء التأويل يبرر لهذا الهوى أفعاله وحركته، ولا يتم وقوع هوى فاسد إلا بشبهة فاسدة ولذلك جمعهما الله تعالى في آية واحدة حين قال: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} وجعل سبحانه وتعالى مقابل هذين الأمرين: الهدى، فقال: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} فالهدى يمنع الهوى، والهدى يمنع الظن.
إن الميزان المختل لا يقوم إلا على عمادين اثنتين هما: الهوى والظن .. فالهوى هو الشهوة الجامحة التي لا رابط لها ولا زمام، وهي لا يمكن لها أن تنطلق من عقالها وتسرح في وديان الضلالة والغواية إلا بعماد يدعمها ويبرر لها أفعالها ألا وهو الظن وهو ضد العلم، فدور الظن الفاسد تبرير حركة الهوى وإعطائه المقدمات المزعومة من الموضوعية الكاذبة المفتراة، وإذا وقعت الشهوة المحرمة دون ظن يبرر لها فعلها فإنها قريبا ما تتوب وترجع عن غيها ومعصيتها، ولكن إذا وقعت الشهوة المحرمة (الهوى) وكان معها الظن الفاسد والجهل المؤول فإنها ستكون حلقة ثابتة في الشر وهي كذلك تملك القوة في الدفع نحو الشرك والكفر.
إذا لا بد من التأويل الفاسد لتستقر المعصية ثباتا ودواما، وكلما كان التأويل (الظن والشبهة) مقنعا بقناع جميل براق، أي بقناع العقلانية والموضوعية كلما كان أدعى للقبول وأسلم للنفوس.
هذه واحدة.
أما الثانية فهي أن حركة الإنسان لا تقع إلا بإرادة وهذه الإرادة تتكون من قوتين اثنتين هما: قوة العلم وقوة الدافع، فحاجه المرء إلى شيء من الأشياء قوة لدفعه لتحقيق هذه الحاجة، وهذه الحاجة استقرت النفس على معرفتها معرفة حقيقية قوية، ففساد المرء (أي فساد عمله) إما أن يقع من جهة العلم، وإما أن يقع من جهة الدافع. وصلاح العلم يوجد صلاح الدافع وقد يفترقا كما هو شأن المبتدعة الذين يريدون تحقيق الرضى الإلهي ودخول جنته بعلم باطل فاسد (أي بالجهل) كما قال تعالى: {هل أتاك حديث الغاشية وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية} فهذه نفس عاملة لكنها لا تبلغ هدفها لأنها تعمل بجهل كما هو شأن رهبان النصارى وعباد الصوفية وأمثالهم، وقد يقع العلم الصحيح مع الدافع الباطل كما هو شأن علماء السوء ممن يعوقون الحق ويأكلون به أموال الناس بالباطل كأحبار اليهود من الأمم السابقة ومن سار على دربهم من علماء المسلمين ممن يبيعون دينهم من أجل أعراض الدنيا الفانية.
فركنا الضلالة هما الجهل والهوى، فلا يمكن أن تستقر المعصية (الهوى) في الأرض إلا بتبرير صاحب الجهل لصاحب الهوى. وليس الجهل هنا عدم العلم فقط ولكن الجهل ههنا هو ما يتعلق بالعلم من فساد، فأي فساد لحق بالعلم انقلب العلم إلى جهل سواء لحق الفساد من جهة ترك العمل أو من جهة اتباع الهوى أو من جهة التأويل الفاسد أو من جهة معرفة الحق والحيدة عنه فكل هذا وغيره يقلب العلم الصحيح إلى جهل وظن.
إذا عرفنا هذا علمنا لماذا يحرص أصحاب الأهواء من السلاطين والحكام دائما على اصطحاب أصحاب العمائم، ولماذا ينفقون عليهم الذهب ويوسعون لهم في المجالس .. السبب هو أن معصية الحاكم وأهواءه لا يمكن لها أن تدوم وتستقر إلا بوجود هذا الجاهل (العارف) .
فالحكام والسلاطين رؤوسهم فارغة من الفهم، وألسنتهم كلة عيية في تزوير حقائقهم للناس، فهم محتاجون دوما إلى رجل ذرب اللسان، ويمتلك القدرة على الخروج والدخول وإقناع الناس بمراد صاحب الهوى، بمعنى آخر لا بد من وجود الساحر، القادر على قلب حقائق الأشياء في أعين الناظرين.