جماعات الجهاد قامت على عمد كل عمود فيها كاف في جعل هذه الحركات واجبة الوجود والحدوث، وليعلم المسلمون أن الانضمام لهذه الجماعات ليس نافلة من القول، وليس هو موسمي الوقوع، بل هو واجب على كل مسلم، أي واجب أن يعمل المسلم في عمل جهادي، إما أن يدعو إلى الجهاد أو يعد له، أو يعمل به، ولا ينفك هذا الوجوب إلا بدليل شرعي خاص، أي كون الرجل من أصحاب الأعذار، الذي عذرهم الشرع الكريم، أي فكرة في الوجود لا يمكن أن تعمل نفسها في الحياة إلا من خلال جماعة، إذ أن الجماعة هي اللبنة الأولى لأي عمل أو مهمة.
فما هي موجبات حركات الجهاد في العالم الإسلامي؟.
نقصد بحركات الجهاد تلك الجماعات المجاهدة داخل دار الإسلام السليبة، وليس خارجها، وهي الجماعات المجاهدة العاملة لإعادة رأس المال، وليس هذا إنكارا لغيرها، ولكن حديثنا عن جهاد الدفع، وهو جهاد واجب على كل مسلم. أما موجبات حركات الجهاد في ديار الردة فهي:
1 -إعادة العقد الجامع لشتات المسلمين، أي دولة الخلافة الضائعة: فلما سقطت الخلافة انفرط عقد الأمة، فلم تعد تستحق اسم الأمة، نعم هناك مسلمون في أرض الشتات، وهناك عباد وقوام، وزوامل علم وحجاج، وذاكرون وذاكرات، ولكن كل هؤلاء لا يدخلون أبدا في مسمى الأمة، فلا يوجد هناك أمة إسلامية، لأن أول مقومات الأمة لا توجد بين هذه الحبات المتناثرة بلا ضابط، ولا حبل جامع، ونعني بها وجود الدولة، فليس للمسلمين دولة ولا شوكة ممكنة، ولا منعة حافظة، وقد بذل الكفر جهودا متتالية في دفع دولة الخلافة وإسقاطها، كر المرة تلو المرة، حتى كان له ما أراد، ولكن والحق يقال: إن العوامل الداخلية في دار الإسلام، عوامل الهزيمة والانحطاط، هي السبب الرئيسي لإسقاط هذه الدولة، فليس ما عمله الكفار بمعادل ما عملته الأمة بنفسها، فلو نظرنا نظرة فاحصة إلى صورة المجتمع الإسلامي في دار الإسلام قبل إزالتها، لوجدنا أن هذه الدار كانت تفيض بعوامل الانحطاط والتخلف، ومن أهم هذه العوامل: فساد التصور العقدي، إذ انتشرت في الأمة جرثومة الصوفية، التي ما دخلت في أمة من الأمم إلا جعلتها أثرا بعد عين، الصوفية التي شغلت الناس في الوصول إلى حالة العرفان والجذبة، فأرهقت المرء المسلم في سعيه لهذه الخيالات الجنونية، وعطلت المسلم عن البحث والنظر، لأن الصوفي يظن أنه بمجرد وصوله لهذه المرتبة سيدرك حقائق الأشياء، وسر الكون، فلا ضرورة إذن للسعي والجد في اكتشاف سنن الكون والحياة، لأن الصوفية تؤمن أنه بمجرد كون الرجل وليا عارفا فإنه سيملك ناصية هذا الكون، فيتحكم في سننه من أمراض وظواهر كونية من ماء ونار ومطر ورعد، وسيكون مالكا لإكسير الحياة وسر الأشياء، وسيسيطر على حجر الكيمياء، هذا الحجر الذي يستطيع مالكه أن يغير الأشياء وحقائقها، فبه ينقلب الحديد ذهبا، وبه تنقلب المياه جواهر ودررا، فأفسدت النظر إلى الكون والحياة. انتشرت الصوفية في الأمة وتغلغلت فيها إلى الصميم، ولا يقولن قائل: إن الصوفية لم تكن شائعة، أو أنها كانت محصورة في بعض جوانب الحياة، فهذا خطأ شنيع، لأن الصوفية كانوا قادة الحياة، وسادة المجتمعات الإسلامية، بل إن الصوفية وإلى الآن هي التي تسيطر على عقول قادتنا ومشايخنا، فهذا سعيد حوى يريد أن يعيد إحياء الأمة عن طريق التربية الصوفية، فيؤلف للناس كتابا في هذه التربية الروحية، ويدعو الشباب إلى الدخول في مدارس إحياء الربانية، ويقصد بها السلوك على يد مشايخ الصوفية، بل إن أكثر القادة تحررا من القديم بكل ما فيه من خير وشر، لم نسمع منه كلمة واحدة، ولا رأينا له مشروعا في تحطيم هذا المرض الخبيث، فهذا حسن الترابي يعيش في مجتمع تغلغلت فيه الصوفية إلى الصميم، ومع ذلك لم نسمع منه كلمة واحدة نحوها، بل ولا اهتم من قريب أو بعيد بجوانب الشرك التي تنتشر في مجتمعه.