فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 257

إن البعد الداخلي في الإنسان المسلم، وفي الجماعة المسلمة، ما لم يتحرر من هذه المخلفات النتنة فلن نخطو الخطوة الصحيحة إلى أهدافنا، وهذا يجعلنا نكرر المرة تلو المرة أن جماعات الجهاد ليست تلك الجماعات التي تحمل السلاح فقط، بل هي جماعات التجديد لما اندرس من معالم هذا الدين، وهي جماعات التجديد أي إعادة صورة الإسلام إلى الحالة التي كان عليها وهو جديد في أول أمره.

إن طرح الجهاد كمشروع وحيد لإحياء الأمة هو الواجب، لأن الجهاد هو الإطار الذي يحرر المسلم من أهواء نفسه ومن مخلفات مجتمعه، ومن انحرافات مذاهب البدع، لأن الجهاد هو الحامل لروح التمرد على كل ما هو فاسد في داخلنا، فالمجاهد اليوم لن يكون كذلك إلا بعد أن يتحرر من سلطة الكهنوت القابعة على صدر الأمة باسم العلم والعلماء، هذه السلطة التي تضرب بسيف الدين كل من حاول أن يستخدم عقله الذي طال الزمن عليه بالتغير والإقصاء، هذا الكهنوت الذي لم يخرم غرزا مما عند النصارى برهبانهم واليهود بأحبارهم، إن هذا الصنف من البشر وأقصد بهم طبقة الكهنوت هم من أرذل خلق الله، وهو الجدار الأول الذي يمنع المسلم من استعمال حقه في استخدام عقله الذي كرمه الله به، وهو الجدار الأول الذي يمنع المسلم من تحرير إرادته في أن يتقدم الخطوة الأولى نحو أهداف الإسلام الصحيحة، نعم لو قدر لرجل مسلم يحترم عقله أن يرى شيخ الأزهر وهو يتكلم في إحدى محطات التلفزيون لأيقن أنه لا نهضة لأمتنا، ولا خروج من مأزقها حتى ترفع شعار: اقتلوا آخر حاكم مرتد بأمعاء آخر قسيس خبيث.

كان دور العالم دوما اكتشاف الخطأ مبكرا قبل غيره، لأنه الأقدر بما أوتي من موهبة ربانية، وعطاء إلهي في أن يتقدم الصفوف في كل شيء صحيح، وكان دوره دوما الرائد الذي لا يكذب أهله في تضحيته بنفسه، ليكون وقودا لشعلة الصلاح في مجتمعاتنا، أما أن يكون دور العالم إسباغ الشرعية على الفساد، وإطلاق عبارات الشرع المدحية على الشر والضلال، فهذا تزوير وانحراف، وجريمة لا تعدلها جريمة، وهي أعظم جرما من الاتجار بالمخدرات، لأنه يسوق الرذائل تحت أسماء جميلة حسنة، وهذه الجريمة هي أول جريمة بدأها إبليس في التاريخ الإنساني حين سمى شجرة المعصية شجرة الخلد وملك لا يبلى.

إن أمراض الأمة المشتتة بحاجة إلى جهود مضنية، وإلى قادة مخلصين، ليتم إحياء الأمة على منهج صحيح صائب، لأننا اليوم نعيش على مرقب عال، نرقب مستقبلا يتناوشنا فيه العدو من جانب، هذا المستقبل الذي حاول فيه العدو أن يرسم معالمه ليكون حسب سياسته ومراده، وهو يملك أدوات التطبيق، فهو الذي يملك المال والقوة، فعنده الآلة العسكرية الرهيبة، وعنده العديد من الاحتمالات التي يمكن أن يستعملها متى يريد، وفوق ذلك في أمتنا التربة الصالحة لهذه الاحتمالات الكفرية الخبيثة، أما عدتنا نحن، فليس هناك من شيء سوى الحق إن جردناه عن شوائب الأفكار المنحرفة، وعلمناه على حقيقته كما هو من غير بدع الإرجاء والجبر، ومن غير هوى الآراء والأفكار، وعلينا أن نملك عقيدة الجهاد، وروح الجهاد، ونفس الجهاد، هذه العقيدة التي تهون أمامها الصعاب، وتتصاغر في وجهها الجبال، هذه الروح التي تنطوي على حب الموت والرغبة فيما عند الله، والترفع عن الدنايا والصغائر، والزهد في الدنيا، هذا النفس إن ملكناه أو تملكناه كنا أعاصير لا تبقي للكفر أثرا، ولا للظلام وجودا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت