فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 257

لما كان التقليد شرا من كل وجه، ويكفي أنه يعطل أعظم نعمة لله على عباده، وهي إطفاء نور العقل الذي يتميز به الإنسان عن غيره، فإن سبيل الشيطان في تحجيم دور الحق في نفوس أتباعه، ثم إماتته، عن طريق الخمول والكسل اللذان استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما، والدعوة السلفية في أصلها إحياء للقواعد التي أحيت في الأمة روح البحث، وفجرت في نفوس الأمة عوامل البناء والنظر المبدع، وهكذا ينبغي أن تكون، ويجب على أصحابها المحافظة عليها من عوامل الدخن والتشويه، فالدعوة السلفية هي إحياء المنهج العلمي وتجريده من الشوائب الفاسدة، والعوامل الدخيلة، وهي كذلك تحطيم لأغلال الإرادة المعوقة لاستقلال الإنسان في البحث والنظر، فتجريد المنهج العلمي، يحمي المرء من الظن الفاسد، والوهم الكاذب، وتحرير الإرادة يمنع المرء من الوقوع في الهوى، والهوى في أهل التقليد هو الكسل الآمن، وهو الذي يدفعهم إلى ربط عقولهم بدعة واطمئنان في أيدي غيرهم دون تمحيص ومجاهدة، وقد جع الله تعالى الظن والهوى في آية، وجعلهما مقابل الحق الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى} .

وقد بدأت الدعوة السلفية بكل قوة بتحطيم أوهام الظن، ومعوقات الهوى في بداية أمرها، فنشأت بوادر التحقيق العلمي قريبا من النص المعصوم، وبعيدا عن الآراء والاجتهادات الواهمة، وشنت الغارة تلو الغارة على معاقل التقليد والعصبية والمذهبية وبدأت عملية إحياء المنهج العلمي على صورة تطبيقات لمسائل أغلبها قد بحثت عند المتقدمين، كتحقيق الصلاة النبوية الصحيحة، وكذلك حقيقة الحج ومسائله، والزكاة ومسائلها، والجنائز وما يتعلق بها، وبدأ المرء يقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه مباشرة يتعامل في أخذ الحكم الشرعي، وكان مما دافع به بعض مشايخ السلفية هذه الاجتهادات، حين اتهم خصوم السلفية من المذهبيين والمتعصبين أن على هؤلاء المجتهدين الجدد (السلفيين) أن يبحثوا في المسائل الجديدة الحادثة، ويجتهدوا في إعطاء الأحكام للنوازل، لا أن يتعبوا أذهانهم، ويصرفوا جهودهم للمسائل التي أشبعت بحثا. كان جواب السلفيين على هذه الانتقادات يقول: إننا نتمرن في الاجتهاد والبحث العلمي في هذه المسائل الأولى والتي من خلالها نترقى في الوصول إلى عظائم المسائل ودقائق الأحكام.

وهذا جواب منطقي صحيح، وهو اعتراف أن هذه الأعمال تطبيقات مرحلية وليست النهاية ولا منتهى الطلب.

وقد شن السلفيون غاراتهم الموفقة على الكتب المذهبية، وأسقطوا عصمتها حين كشفوا للناس أن هذه الكتب لا تملك الدليل المعصوم وهي في أغلبها آراء وأقوال رجال، لا يملكون العصمة في أنفسهم، بل هم عرضة للصواب والخطأ، فأعرض طالب العلم عن كتب الآراء والفقه المجرد عن الدليل، وبدأوا يوجهون قلوبهم وعقولهم إلى كتب النصوص، أو إلى كتب الفقه المشبعة بالدليل، وبدأت صور من المعارك نحو اكتساب الأهداف من الأطراف المتناقضة في هذه المسائل وغيرها، وبدأ الشباب المجتهد يقيم المعارك في المساجد والجلسات واللقاء ات لتحقيق المنهج السلفي الصحيح، حتى تحقق له الكثير من المكاسب، وغنم الكثير من الأهداف، وهي مكاسب تحققت عن طريق المناقشات الحامية في المساجد حتى كاد الأمر يصل إلى ما لا يحمد عقباه من رفع الأصوات والتقاذف بالتهم والرمي بالجهل وعدم احترام العلماء، وكذلك تحققت كتب حوت أبحاثا علمية مجردة إلا من الأحاديث، أو الاجتهادات المصاحبة للدليل.

وفي النهاية أوجد هذا التيار الجديد القديم مكانا ووجودا وبدأت علامات الزهو والغرور تستقر في عقله ونفسه، فبدأت الانتكاسة في نهاية الدور الأول لهذا الوليد الحي. فما الذي حدث لهذا التيار الجديد؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت