الشوكة والتمكين
الدولة المنشودة التي ستقوم عن طريق الجهاد، هي الدولة الوحيدة التي تملك الشرعية، وهي الدولة التي ستعبر بحق عن حقيقة هذا الدين، وذلك للأسباب التالية:
كثير من أهل العقل حينما يفكرون بالدولة الإسلامية المقبلة، فإنهم يصورونها، أو يتصورونها على شكل الدولة المعاصرة العلمانية، بكل ما فيها من هياكل ومؤسسات، وإنما يجعلونها إسلامية ببث بعض الألوان الباهتة على هذه الهياكل ليتم صبغها بصبغة إسلامية، وعلى ضوء هذا التفكير فإنهم يجابهون بمجموعة من الأسئلة الحرجة عن صورة الدولة الإسلامية، هذه الأسئلة التي تدفعهم لتقديم التنازلات الفقهية، وذلك بالبحث عن الآراء الشاذة للفقهاء لتلائم صورة الدولة المعاصرة، وهذه المسائل تبدأ من عقيدة الدولة إلى أصغر شيء فيها:
يسألونهم عن الديمقراطية والتعددية الحزبية: ومهما يحاول مشايخنا فإنهم ولا شك أمام خيارين: أولاهما: الخروج من الإسلام، وذلك بالفتوى أن الدولة الإسلامية تجيز التعددية الحزبية، لأن التعددية الحزبية تعني جواز الأحزاب الكافرة والمرتدة، هذه الأحزاب التي سيسمح لها أن تمارس نشاطات الدعوة إلى الكفر والشرك، وهي التي سيسمح لها كذلك بالبلوغ إلى الحكم، وحيث أجاز الشيخ هذا الفعل فإنه جدير بلفظ: كافر ومرتد.
والغريب من هؤلاء المشايخ أنهم بلغوا إلى حالة من الانهيار الخلقي والفكري في توهم أدلة التعددية الحزبية إلى درجة لا يمكن أن تخطر على بال مسلم: فهذا شيخ يستدل على وجود الأحزاب الكافرة في الدولة الإسلامية بوجود المنافقين زمن دولة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء المنافقون (وهم كفار على الحقيقة) كانوا يمثلون حزبا سياسيا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفهم، فلم يمنعهم من ممارسة حقهم الحزبي.
وشيخ آخر يقول: بوجود الخوارج زمن علي بن أبي طالب، وأن عليا رضي الله عنه لم يمنعهم من ممارسة حقهم الفكري، وإنما قاتلهم لحملهم السلاح ضد المجتمع المسلم، فالخوارج بصورتهم الحقيقية هم كصورة الحزب السياسي المعاصر.
وشيخ آخر يستدل بوجود المعتزلة والروافض ... الخ في داخل المجتمع الإسلامي، وهؤلاء أحزاب معارضة سياسية.
وأنا والله يأخذني العجب من هذه الآراء والدلائل، لا لضعفها ولكن لقلة حياء أصحابها، ولا أدري عن هؤلاء المشايخ أينظرون إلى المرآة كل يوم أم لا؟ لأني أجزم أن الذي فوق أكتافهم ليس شيئا يسمى العقل، بل هو شيء آخر يوجد عند بعض خلق الله تعالى.
إن من حق الناس أن يسألوا جماعات الإسلام الديمقراطي (وهي ثنائية تعادل الإسلام المسيحي، والإسلام اليهودي، والإسلام البوذي) . أقول إن من حق الناس أن يسألوا هذه الجماعات عن التعددية السياسية في دولتهم بعد استلامهم الحكم، ذلك لأنهم وصلوا الحكم عن هذا الطريق، وبعد توقيعهم واعترافهم على هذا المبدأ، فهل يجوز لمن وصل بهذا الطريق أن يلغيه أو يتجاوزه؟. وأما الخيار الثاني: فهو استخدام المعاريض.
سيسألون عن المرأة وحريتها الشخصية، وعن الأقليات الدينية، وعن الموسيقى، وعن علاقة حسن الجوار مع الدول الأخرى، وعن بقائهم تحت حكم الأمم المتحدة، وأسئلة أخرى لا تنتهي، وهم في الحقيقة على حق في هذه الأسئلة، لأنهم يعرفون ما معنى دولة الإسلام، فهي حاضرة في أذهانهم كدولة بديلة لكل ما هو موجود في هذا العصر، حاضرة في أذهانهم أنها دولة القوة، ودولة الفضيلة، ودولة الدعوة والجهاد، ومن حقهم أن يروا هذه الدولة متناقضة مع كل ما يعيشونه من رذائل ومفاسد، لكن مشايخنا لهم رأي آخر، فقد استطاعوا بكل ذكاء أن يلبسوا الكفر إسلاما، والرذائل فضائلا.
إذا قامت دولة الإسلام عن طريق الجهاد فهي قد اكتسبت شرعيتها من القوة التي يملكها أهلها، قوة وشوكة ومنعة وصلت إلى حد التمكين، ومن حق القوي أن يفرض ما يريد، فهو الذي يكتب التاريخ، وهو الذي يرسم معالم الحياة.