فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 257

وهذا المفهوم يتحدث عن جماعة صغرى في داخل الجماعة الكبرى (الدولة والخلافة) ، وهي لا تندثر ولا تزول لا بوجود الجماعة الكبرى ولا بزوالها، بل بقاؤها الشرعي القدري فريضة وضرورة، وانفراط أمرها هو المصيبة الكبرى، والطامة العظمى، بل إن أمر الجماعة الكبرى (الدولة) مرهون وجوده بوجود هذه الجماعة، فالجماعة الكبرى (الدولة) قد تزول وتسقط، فمن الذي يعيد بناءها ووجودها؟ إنهم بلا شك جماعة الحق وأهل الهدى، وهذا كله داخل في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} ، قال القاضي عياض: فلو طرأ عليه كفر -أي حاكم الدولة- وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر. ا. هـ. شرح مسلم (12/ 229) .

وأما إذا كانت الجماعة الصغرى (أهل الحق) لا وجود لها فإن عودة الدولة هو أمر لا يتصور وقوعه أبدا.

ثم إن الجماعة الكبرى (الدولة) قد يصيبها بعض الوهن والضعف، فتقصر في تطبيق الأحكام، لبعض العوارض، وقد تفشو في الدولة المنكرات، ويغلب عليها إرادة الفساق، أو الذين لا خلاق لهم، أو قد تتبنى الدولة بعض البدع الفاسدة، وتدعو الناس إليها، فمن الذين يقومون بمعالجة ذلك كله؟ بلا شك أنها جماعة الحق (الصغرى) .

وهذا كله كما قلنا سابقا داخل في الآية: {ولتكن منكم أمة ... } وهذه الآية عامة لا تخصيص لها، سواء بوجود الإمام الممكّن أو بعدم وجوده.

وقد وجد في تاريخنا الإسلامي المجيد هذه الصورة التي أحاول رسمها، وهي وجود الجماعة الصغرى بكل ما يعني لفظ الجماعة من معنى، مثل معنى التحزب أو التنظيم، مع وجود القوة الرابطة الجامعة لهذه الجماعة والحزب، فكانت بينهم العهود والبيعات على الحق، وكان منهم من يختار الأمير والقائد، وهكذا تقوم بكل ما التقت عليه وتبايعت لحفظه أو لإعادته.

ولعل أوضح صورة بينت أهمية هذا التكتل والتجمع الناتج عن ضعف الدولة واهتزازها هو ما حصل زمن الحروب الصليبية، ففي زمنها كان أمر الخلافة صوريا لا حقيقة له، وهي كما قيل:

خليفة في قفص ** بين وصيف وبغا

يقول ما قالا له ** كما تقول الببغا

وتوزعت الولايات الإسلامية مشتتة موزعة، لا خيط يجمعها، بل صار بينها من التناحر والتخاصم ما وصل إلى درجة الحروب والاقتتال، وفي هذا الظرف العصيب من التفرق والتنازع، قدم على المسلمين وافد من وراء البحار، حمل معه شهوة القتل والاستئصال، ومعه أمل الاستيطان والبقاء، يحمل راية الصليب، تغذى بوري الكبد، وتعاليم الخرافة، وقد استطاعوا أن ينتصروا في المعركة الأولى، أو المعارك الأولى، واستقروا في كثير من المدن والجيوب الإسلامية، وكن على ذكر أنه لم يكن للمسلمين ولاية عامة، ولا تجمع واحد، هذه الصورة كيف عالجها أهل الإسلام؟.

أغلب من تكلم في هذه الفترة الزمنية عالجها من جهة بعض الأشخاص الذين أحدثوا أثرًا تجميعيا للجهود المتفرقة السابقة لأعمالهم، فنرى كاتبا يعالجها من جهة القائد نور الدين زنكي أو من جهة القائد صلاح الدين الأيوبي، وهكذا، فيظن القارئ على غير دراية أن هذا الجزء من التاريخ الإسلامي في معالجة الصليبيين تم عن طريق الدولة الجامعة لأمر المسلمين وهذا خطا بين، فالقارئ المتمعن لتلك الفترة الزمنية يرى أن المسلمين عالجوا أمر الصليبيين عن طريق تجمعات صغيرة، وتنظيمات متوزعة متفرقة، فهذه قلعة حكمتها عائلة من العائلات، جمعت تحت إمرتها طائفة من الناس، وهذه قرية ارتضوا حكم قائد عالم منهم وجاهدوا معه، وهذا عالم انتظم معه جماعة من تلاميذه وارتضوا إمامته وهكذا، ولعل خير يشرح لنا هذه الأوضاع على حقيقتها هو كتاب"الاعتبار"للأمير"أسامة بن منقذ"، وأسامة هذا من قلعة شيزر، وعائلته آل منقذ هم حكام هذه القلعة، ولهم دور مشهود في الحروب الصليبية، وأسامة شاهد عيان لحروب المسلمين ضد الصليبيين.

وقبل أن أنتقل إلى نقطة أخرى، فمن المهم التنبيه على أن دور القادة الكبار أمثال آل زنكي والأيوبيين هو تجميع هذه التكتلات والتنظيمات في تجمع واحد وتنظيم واحد، ومع ذلك فقد بقي هو الدور الأكبر لتلك التكتلات الصغيرة القائمة على الحق في معالجة الحروب الصليبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت