ثم تعالوا لنرى، هل الأولى أن تتجمع الأمة في ألف تنظيم وحزب، أو يكون كل امرئ على هواه وشخصه، حيث يكون فيها ألف شخص، كل على رأسه وهواه، ثم هل زاد دعاة هدم التنظيمات والأحزاب إلا أن أوجدوا في داخل أنفسهم أحزابا جديدة، وتنظيمات متعددة؟ هذا أمر يراه كل أحد ويحس به كل إنسان.
تكلمنا عن إشكالية الجماعة داخل صف أهل السنة والجماعة في هذا العصر، وقلنا إن أهل السنة الآن مضطربون في تحديد الحكم الشرعي للتحزب، والانضواء تحت جماعة إسلامية، وقد بلغ اضطرابهم أن بعضهم يرى أن التنظيم بدعة، وآخرون يرون وجوبها، وبينهما من التيارات من يرى أحكاما تتراوح بين هذين الخطين، وهو اضطراب غير مقبول، أفرز مفاسد وأمراضا، ومنع أهل السنة من تحقيق أهدافهم أو التقدم نحوها، والكلام عن الجماعة يحتاج إلى بحوث جادة، واستنفار عام لأن موضوع الجماعة هو اللبنة الأولى لتحقيق الفكرة واقعا ووجودا، وبدون الجماعة لن تتحقق أي فكرة وجودا وبقاء، ولعلنا نتذكر كلمة الإمام العظيم محمد إدريس الشافعي -رحمه الله- حين دخل مصر ورأى فقه الليث بن سعد، وعلمه، وروايته فقال كلمته المشهورة:"الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به"سير أعلام النبلاء (8/ 156) .
وهذه الكلمة تدل على عظم أمر الجماعة في بقاء الأمر ودوامه، وقبل ذلك نشره وبثه، فبدون وجود جماعة وتحزب وتنظيم لا يكون للأفكار وجود ولا بقاء.
إذا فهمنا هذا، ثم تفكرنا قليلا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وبحثنا برؤية جادة عن بداية دعوته وظهور أمره، وإلى أي شيء دعا الناس، لأبصرنا تمام البصر أن أول شئ دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو التوحيد والجماعة.
فكان الرجل إذا استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل في التوحيد، قطع علائقه الأولى، وخرج خروجًا نفسيا ووجوديا من أي ارتباط سابق، كرابطة العائلة أو القبيلة أو غيرهما وانضوى تحت الجماعة الجديدة، وارتبط بها ارتباط كليا، ولاء، ونصرة، وامتثالا لأمرها، وإحساسا بها، وعطفا عليها، وتمثل هذا بقوله صلى الله عليه وسلم: (( المسلم للمسلم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ) ). وعلى هذا فليس من غريب الأمر أن يكون شعار المسلم الصادق هو الانضواء تحت شعار أهل السنة والجماعة وقد كثر حديث الأوائل عن المفاهيم السنية التصورية في مسائل العقائد، فألفوا فيها ما يسمى بكتب العقائد، وذلك لتجلية مسائل السنة التصورية كما هي، والرد على المخالفين من أصحاب العقائد التي زعمها الآخرون أنها من دين الله تعالى كعقائد المعتزلة والجبرية والرافضة والخوارج وغيرهم، لكن بقي موضوع الجماعة على غير تفصيل في هذه الكتب لأن الجماعة التي كانت تحتاج إلى بيان في عصرهم هو موضوع الإمام الممكن ومدى شرعية الخروج عليه ببغي أو بفسق، وكذلك مدى شرعية إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وغيرها من المسائل الشرعية التي تبحث في هذا المضمار، ومع أن فقه أهل السنة لا يوجد فيه إجماع على هذه المسائل إلا أنه استقرت بعض المعالم وخاصة تلك الآراء التي تبناها وبثها الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- في حادثة فتنة خلق القرآن، لكن لو رجعنا إلى عبارات الأئمة في تفسير معنى الجماعة لرأينا لها مفهومين اثنين، وليس مفهوما واحدا وهما:
المفهوم الأول: المسلمون المنضوون تحت راية إمام ممكن سواء كان هذا إمام عامة أو غير ذلك، وهذا هو الذي كثر الحديث فيه في كتب السياسة الشرعية وكتب العقائد كقولهم: ولا نرى الخروج، أو: نقاتل تحت راية البر أو الفاجر، وغير ذلك من القواعد السنية.
المفهوم الثاني: أهل الحق، وهذا المفهوم دائرته أضيق من الدائرة الأولى، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه:"الجماعة ما وافق الشرع وإن كنت وحدك".