فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 257

ومن الشعارات التي صارت مألوفة لدى المسلم السني المتخلف، أن الإسلام لا حزبية فيه، أو أن الحزبية شر، ثم يبدأ يعدد مضار الحزبية وشرورها، حتى يهيأ للقارئ أن الحزبية هي شر بذاتها ولا خير فيها، وأنها لا تنشئ إلا البدعة والضلال، وهم يظنون أن التنظيم والتحزب لا بد أن ينشئ هذه الأخطاء، ولا خروج منها إلا بأن يسلم الرحل بنفسه، وينفرد بالعمل والتفكير، مع أن هذه الأخطاء التي تنشأ في التجمعات، هي التي تكسب الإسلام وتصبغه صبغة العملية والموضوعية، فصلاة الجماعة مثلًا هي تجمع وتحزب، فيها أمير، وبينه وبين الأتباع عقد، وقوة الإلزام فيه الوجوب والفريضة، حتى أن التابع يجب عليه أن يقلد ويسير بسير القائد حتى في ضعفه وخطئه (إلى حد بينه الشارع) فلو أن الإمام صلى قاعدا لعجز أصابه، والمأموم قادر على أن يصلي قائما، وجب على المأموم أن يصلي جالسا، ولو الإمام لم يجلس الجلسة الوسطى وتركها فعلى المأموم وجوبا أن يتابعه ولا يتخلف عنه، وهي أمور لو فعلها المرء منفردا لكان مقصرا آثما وربما تبطل عمله، فلو صلى المرء منفردا وصلى جالسا وهو قادر على القيام في صلاة الفريضة فإن صلاته عند جمع من الأئمة حكمها البطلان لتركه ركنا من أركانها، كذلك هو آثم لو ترك الجلوس الأوسط في الصلاة الرباعية والثلاثية على الصحيح، ولكن وجود المصلي في جماعة غير الحكم، وأوجد فقها جديدًا، ولم يقل أحد من العقلاء أنه بسبب هذا الفقه الجديد الذي أحدثته الجماعة في صلاتها يجعل صلاة الجماعة شرا وأن الصلاة المنفردة هي الأفضل والأولى، بل بقيت صلاة الجماعة واجبة من واجبات الشريعة، وشعيرة من شعائرها الظاهرة.

وقد يجد المرء في نفسه قوة وهو منفرد بدون جماعة وهو وهم وظن وتلبيس شيطاني لأن الشيطان كالذئب يأكل من الغنم القاصية.

ثم إن الجماعة تفرض على المرء صورة جديدة لحياته تجعله أسلم بضعفه مع الجماعة من قوته وهو منفرد، ومسيره معها مثل صلاة الجماعة، فإن الرجل حين يصلي في جماعة، فإن على الإمام أن لا يطيل في الصلاة، بل عليه أن يخفف لأن وراءه المريض والكبير وذو الحاجة، فالجماعة تجمع الطريق ففيها القوي الجلد كذلك، فلو صلى هذا الجلد منفردا لأطال وأكثر في القيام والقنوت، ولكن حين يصلى مع الجماعة فإنه مقيد بطول صلاة الإمام وقصرها، وهي فضيلة في حقه لكونه في جماعة، لأنها مقصد من مقاصد الشارع تهون بعض الأمور إلى جانبها، ولا ينظر إلى تلك الأمور التي يظنها بعضهم فوائد للانفراد والذاتية.

قبل أن ندخل في موضوع شرعية الجماعة والتحزب والتنظيم فإننا مدعوين لهاتين النقطتين اللتين لابد منهما:

هناك فرق بين العصبية الحزبية وبين الحزبية والتحزب، وليس بينهما ترابط ولا علاقة، كون الرجل متعصبا لفكرة وهو غير متحزب، ولا في حزب، وقد يكون الرجل في حزب وتنظيم وهو غير متعصب، بل إن الجماعة والتنظيم إن قامت على سوق صحيحة تقتل في الرجل أنانيته وتعصبه لأنها تجبره دوما على التنازل عن آرائه التي يراها ذهبية عظيمة مقابل ما استقر عليه رأي الجماعة، والانفرادية والذاتية تجذّر في المرء حب رأيه وتعصبه له والمدافعة عنه بحق وباطل، وهذه العصبية المقيتة في التجمعات هي من الوراثة النكدة للفردية الذاتية، ولكن الكثير من الناس يظن أن المرء حين يدافع عن فكرة ما وينافح عنها، هو بسبب تبني حزبه لها، وهذا خطأ فالناس يدافعون عن أفكارهم هم، ولتبنيهم تلك الأفكار، لأنها أفكار حزبهم وتنظيمهم، لكن بعض الناس مرتبتهم التقليد، وبعضهم مرتبته الاتباع، وبعضهم مرتبته الاجتهاد، وكل مرتبة من هذه المراتب هي مراتب ومنازل ودرجات كذلك، قد يكون الرجل هو في نفسه مقلدًا فيدافع عن تلك الأفكار مدافعة المقلد، بغض النظر عن كونه في حزب أو في غير حزب، فعلينا أن ننظر إلى الناس في نقاشنا معهم باعتبارهم أفرادا مستقلين لا باعتبارهم أفرادا في جماعات، فيعامل كل امرئ بحسبه ودرجته مع التنبيه أن المقلد قد نبه أئمتنا على عدم جدوى نقاشه ومناقشته، لكن حظه من الأمر النصيحة والتذكير، لا المناظرة والمجادلة.

زعم بعضهم أن التحزب تفرق، وأن التنظيمات وزعت الأمة أوزاعا وفرقا، وهذا خطأ بين، فإن التفرق في الأمة حادث بسبب أنانيتهم وفرديتهم، والفردية هي التي صنعت في الأمة أمراضها، وأفرزت شرورها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت