ومن أمثلته تلك الصّورة المعروضة للجهاد من أجل تحقيق الحقّ الإلهيّ في الأرض، وما فيه من سوء للنّفوس المريضة، وما فيه من امتحان وفتنة للنّاس، فلو عرض لهذه النّفس مخرج آخر مع توهّمه أنّ فيه تحقيقًا لرغبات النّفس وأهوائها فإنّها تطير إلى هذا البديل الرّغيد.
اعلم أنّ هناك التفافًا يحصل من هؤلاء الآرائيين حول كثير من حقائق أهل العلم المتقدّمين، ومن أهمّ هذه الحقائق التي يتمّ الالتفاف حولها في هذا الزّمان الحقيقة التّالية:
من المعلوم أن إصدار حكم شرعي ما لواقعة ما، لا ينبغي أن يتمّ إلاّ باستكمال شروط وأدوات علمية تؤهل المرء لخوض مثل هذا المعترك، وهذه الشّروط التي اصطلح سلفنا الصالح على تسميتها: بشروط الاجتهاد، ومع أنّ عصور الانحطاط المتأخّرة قد أفرزت بعض الأقوال الهزيلة في موضوع الاجتهاد، مثل قول بعض أهل العلم: بإغلاق باب الاجتهاد، وأنّه لا يجوز بعد القرن الرّابع لأحدٍ أن يقول قولًا من اجتهاده، بل لا بدّ أن ينسب نفسه إلى إمام سابق، كأن يقول عن نفسه أنّه حنفيّ أو شافعيّ أو مالكي أو حنبليّ ومن أجل هذه البدعة المبيرة صار بعضهم يشدد في شروط الاجتهاد، ويضع عوائق في طريق أهل العلم ليمنعهم من إطلاق قدراتهم لتحصيل الحكم الشّرعيّ من مظانّه، ولأن كلّ فعل يؤدي إلى فعل مضادٍّ يعاكسه، فإنّ النتيجة القدرية لهذا القول الخاطئ هو ما حصل في بداية هذا القرن، وذلك عندما انطلق النّاس يبحثون في أنفسهم عن سبب انحطاطهم وتأخّرهم وهزيمتهم أمام أعدائهم، فكان ممّا اكتشفوه مبكّرا هذا الموضوع، فسارع النّاس بالنداء لتحرير العقل المسلم من أغلال التخلّف -ومنها إغلاق باب الاجتهاد- فتعالت الصّيحات في كلّ مكان تدعو إلى فتح هذا الباب، والولوج فيه بقوّة، وبدأ النّاس يمارسون اختيار الأحكام الشّرعية بأنفسهم من مصادرها، وحاول فريق آخر أن يحافظ على مكتسبات عصر الانحطاط وذلك بأن يمنع هذا الحادث الجديد، تحت دعوى أنّ اللامذهبية قنطرة إلى اللادينية، لأنهم رأوا أنّ الدّعوة إلى فتح باب الاجتهاد قد وافقت زمن انفلات النّاس من أحكام الشّريعة، وانتشار الإباحية الفكرية وهي التي تسمّى عند أئمّتنا القدماء بالزّندقة، وكذلك الإباحيّة السّلوكية مثل دعوات تحرّر المرأة، وميوعة الشّباب وتحرّرهم من أحكام الشّريعة.
ولكنّ هذه المواقف المضادّة من (المحافظين) كانت الأضعف صوتا ودليلًا ولم تفلح شيئًا أمام السّيل الهادر المنطلق من عقاله نحو الانفلات من التّقليد والمذهبيّة. ووجد بعض النّاس رغباتهم متحققة في هذه الدّعوة، فاستغلّوها بإخراجها عن طريقها الصّحيح وأخذوا بها إلى آفاق ومواقع كانت محرّمة حتّى في أزهى عصور الازدهار والتحرر من التقليد، فبدأوا يمارسون الاجتهاد على الثّوابت واليقينيّات المستقرّة في دين الله تعالى، وكلّ هذا تحت دعوى الاجتهاد.
هؤلاء القوم هم أئمّة أهل الضّلال في هذا العصر، وهم يريدون أن يقلبوا صورة هذا الدين من الصّورة التي استقرّت عليها الشّريعة، إلى صورة أخرى تلائم واقعهم، وهو واقع بئيس ومنحط بلا شكّ، بل واقع مهزوم ولا يفرز إلا آراء الهزيمة، ويحاول بكلّ جهده إصباغ الشّرعيّة على هذه الهزيمة.