فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 257

هذه قاعدة تسري على كل الكونيات التي خلقها الله تعالى من أعمال وأشياء، وهي تدل على أن أفراد الشيء أو العمل ليس على مرتبة واحدة، بل هي مراتب متعددة، ونحن في هذا الباب يخصنا ما هو شرعي، مع أن الكوني مهم وضروري، وتجليته مهمة من مهمات التجديد التي يجب على المسلمين بحثها والنظر فيها نظرة جديدة، أي أن تعيد الأمر على ما كان عليه وهو جديد في العصور الأولى، لأن تلك العصور هي عصور النموذج المحتذى، والصورة المثلى، (نبوة وخلافة راشدة) لحركة المسلمين في الحياة، ولا بأس هنا في هذه العجالة أن نعرج على ما هو كوني لبيان عظيم الفساد الذي دخل على أمتنا من هذا الباب، ثم لبيان أن الفساد في فهم الكوني، هو فساد في فهم ما هو شرعي، سواء بسواء، والعكس صحيح، لأن ما هو كوني صادر من الشرعي {ألا له الخلق والأمر} والتطابق بينهما حاصل لزوما، لأنهما من مصدر واحد، بل إن الشرعي لم يعرف صوابه من ذوي العقول إلا بعد فهم المهتدي لما هو كوني، والمهتدي يدرك ويعقل ويعتقد أن للكون خالقا وربا، وأن نواميس الكون والحياة هي من وضع قدير، قوي، قدوس، ... {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} فقبل عرض الشرعي من الأنبياء على أصحاب العقول، كان هؤلاء قد أدركوا الأمور الكونية على ما هي عليها، فلما جاءهم الشرعي علموا أنه الحق، والحق هو مطابقة الشيء لحقيقة الواقع، أي أنهم أدركوا أن باعث هذا (الشرعي) هو واضع هذا (الكوني) : فشهدوا حينئذ شهادة الحق، ومن هنا فإن أولئك المهتدين من الصدر الأول، هم أعظم الناس فهما للكون والحياة ونواميسها (حسب رتبة زمانهم) ، وهم أعظم الناس فهما للدين والتشريع (حسب جميع الأزمنة) . وهذا الفارق الذي أحسه بين من أخذ بالشرعي في الصدر الأول، وبين المتدينين في هذا الزمان المتأخر، فالأوائل اهتدوا هداية صحيحة، حيث علموا الحق في الأمرين (على ما هما عليه) - الكوني والشرعي- فسارت خطاهم سليمة، سديدة، مهتدية، ووصلوا إلى قيادة الدنيا والدين، وأما الأواخر فمما أحس به وأشعره، هو أن أغلب المتدينين في هذا الزمان تدينهم تدين غنوصي عرفاني، وبمعنى أوضح تدين الهارب من الحياة، المنكر لسننها، تدين المتوهم بأن حركة الوجود مربوطة بحركة الغيب كارتباط ألعاب الدمى بحبال حركتها، ولا دور للإرادة البشرية فيها، ومن معالم هذه النكسات العقلية عند المتأخرين نفيهم ارتباط الأسباب بالنتائج، فحيث ساروا في طريق ما ثم وصلوا إلى غير المطلوب والمراد، عادوا لهذه القاعدة الخبيثة ليبرروا بها فشلهم الذريع وسقوطهم المريع، حتى يصرفوا عن أنفسهم مساءلة القواعد التابعة لهم، والغريب من هؤلاء أنهم يرددون ليل نهار أن المؤمن عنده أمر زائد عن الأخذ بالسنة الصحيحة، وهو التوفيق الإلهي، فالكافر يأخذ بالسنن دون التوفيق، ومع ذلك يصل للنتائج المرجوة، والمسلم (هكذا يتوهم نفسه) أنه أخذ بالسنة والتوفيق، ومع ذلك لا يحصل على شيء من النتائج الكونية، وأنا هنا لا أتكلم عن الأجر الغيبي، ولكنى أخصص الحديث عن النتائج السننية المطلوبة للحركة الإسلامية وللعاملين للإسلام في هذه الحياة.

هذه صورة قبيحة لعدم فهم الأمر الكوني، وهي تبرز لنا أهمية البحث الواعي لقضية الأمر الكوني، كما تبرز لنا أهمية الوعي لما هو شرعي، وحيث انتكس أحدهما في نفس المرء فلابد أن يصاحبه انتكاس في القسم المشترك معه، وإذ الأمر كذلك، فإحياء الأمة لا بد له من إعادة تجديد (وأكرر أي إعادته لما كان عليه الأمر وهو جديد في صورته الأولى) لتوحيدي الشرع والقدر.

لو عرجت قليلا في هذه العجالة على انتكاس مفهوم توحيد القدر في أذهان المسلمي فربما يبرز شيئا من الانهيار الواضح لما تعيشه الأمة الإسلامية، وشيئا من أبعاد هذا الانهيار: لو رجعنا قليلا إلى القاعدة المتقدمة وهي قولنا: هناك أعمال داخلة في مسمى الشيء وهي من أركانه، وهناك أعمال من واجباته، وهناك أعمال من مستحباته: فكيف تفهم هذه القاعدة لتفسير ما هو كوني وقدري؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت