فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 257

المثل المعاصر: يكثر المعاصرون قولهم في مسائل الخلاف والترجيح، أن هذا القول ملائم للواقع، أو أنه الأليق بأصول الشريعة، أو أن هذا القول أقرب إلى روح الشريعة، وهي مرجحات يراها السني تخالف النص الصحيح الخاص بالمسألة بكل وضوح وجلاء، فالفقيه الذي يقول بأن القول بأن زكاة الخضروات هو الصواب لأن هذا يلائم الواقع، أو لأنه الأنفع للغير حسب تعبيرهم، وهو يعلم أن زكاة الخضروات قد صح فيها الحديث، ولكنه لا يلتفت للنص ولا يعول عليه في ترجيح قول على آخر، ويزعم أو يظن أنه بمجرد وجود الخلاف السابق في المسألة يجعل للمسلم والفقيه حرية الاختيار بين الأقوال المعروضة دون حرج في مخالفة النص الصحيح، ولعل كتاب الشيخ محمد الغزالي"السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"هو خير مثال على ما يقع في اتهام أهل الحديث بأنهم الأضيق فكرا ونظرا من قبل أهل الرأي المعاصرين.

الصور المعاصرة لأهل الرأي كثيرة جدا، وحديثنا هنا عن مناهج الفهم والتحليل لا عن الكشف عن الأقوال الفرعية الضعيفة، لأنه لا يعني أبدا صواب المنهج في الفهم والتحليل أن يؤدي بصاحبه إلى الصواب المطلق، وفي المقابل قد يصدق الكذوب، وعلى الجملة فإن عامة المنتسبين إلى الفقه في جماعة الإخوان المسلمين هم أرائيون، أي أنهم لم يهتدوا بنور الحديث والسنة، وعامة أفراد الجماعة لا يعولون على الأحاديث والنصوص، لكنهم يربون أفرادهم على ما يسمونه النظرة الشمولية للإسلام، وهي تعني التعامل مع القواعد العامة دون الحكم الخاص المعني بالمسألة، وهذه الصورة تكون أسيرة للعمومات، وتتعامل معها، بل وتحفظها عن ظهر قلب، وتنشئ في أذهانهم مجموعة من الأحكام لكل حادثة، فمثلا لو سئل فقيه من هؤلاء الآرائيين عن حكم الله تعالى في مسألة قتل المسلم بالكافر مثلا لأجاب بالإيجاب، والدليل عنده هو أن الله تعالى قد قرر في كتابه: أن النفس بالنفس، والكافر نفس، فلا بد من القصاص من قاتلها كائنا من كان هذا القاتل، مع أن العموم يرد على هذا العموم، فلو احتج فقيه آخر بقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} ، لكان قوله مناهضا للقول الأول، ولكن على الجملة فاحتجاج الفقيهين بهذه العمومات ليس هو منهج أهل الحديث، إذ أن المنهج الصواب هو البحث في حكم المسألة الخاص في النص ابتداء، حتى إذا لم يهتد الفقيه إلى هذا النص لجأ إلى العمومات.

فأهل الحديث في هذا الباب هم مقابل أهل الرأي، وهو حديث عن منهج علمي في التعامل مع النصوص فهما وتحليلا، ولكن لتعلق أهل الحديث بالنصوص واهتمامهم بها جعلهم يفرغون الكثير من جهودهم في الجمع والتحصيل لها، فتميزوا بهذا اللقب والاسم، مع أن الكثير من المنتسبين لأهل الحديث لم يكن له اهتمام خاص بهذا الفن من علوم الشريعة (أقصد علم الحديث) بل كان ضعيفا متميز الضعف في هذا الباب، وخير مثال على هذا النوع من الرجال هو ابن قتيبة الدينوري، فإنه يسمى خطيب أهل السنة، مقابلة للجاحظ الذي كان يلقب بخطيب المعتزلة، وابن قتيبة علم من أعلام أهل السنة، ورجل من رجالاتها إلا أنه لم يكن يميز ضعيف الحديث وصحيحه ولم ينشغل به، لكنه في الفهم والإدراك والتعامل مع النصوص على منهج أهل الحديث.

وفى المقابل فإن كثيرا ممن اشتغل بالحديث رواية وجمعا كان بدعيا في منهجه وإدارة سلوكه ومن أمثال هؤلاء"عمران بن حطان"فهو كما هو معلوم من الخوارج بل من غلاتهم، وقد روى له البخاري في صحيحه كرواية صدق وعدل في الحديث، لكن هذا لا يدخله في مسمى أهل الحديث أي الطائفة المنصورة، لأن الإطلاق يقصد به المنهج في الفهم والتحليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت