وهناك غير يوسف النبهاني وأشهر منه، وهم الغماريون، أمثال أحمد صديق الغماري، وإخوته عبد الله (وقد توفي) وأخوهم عبد العزيز الغماري (وهو لا يزال حيا) . فهؤلاء لهم من الجهود العظيمة في خدمة السنة النبوية ما لا نستطيع أن نحصيه في هذه الورقات ولا مئات أمثالها، وقد اشتغلوا في الحديث تحقيقا وتخريجا ما يفوق عمل غيرهم، ولكنهم لمغربيتهم (نسبة للمغرب الإسلامي) لم يكن لهم شهرة كشهرة المشرقيين، ولكنهم -أي المشرقيين- ما زالوا يأخذون من كتبهم، ويستفيدون من بحوثهم دون الإشارة إليهم، وهو مما قيل فيه إنه من السرقة التي لا يجب فيها القطع، فأحمد بن الصديق الغماري (وهو أكبر الاخوة) له من الجهود الحديثية الكبيرة أمثال:"هداية الرشد في تخريج أحاديث ابن رشد"في مجلدين، وله مستخرج على مسند الشهاب حققه أحد المشارقة، وله مستخرج كذلك على الشمائل المحمدية، وهو رجل فطحل ولا شك في هذا الباب، إلا أنه كان من غلاة الصوفية، إذ كان يصرح بوحدة الوجود (أي أنه لا يرى فرقا بين الخالق والمخلوق) ، وألف في ذلك رسالة، وكان رافضيا خبيثا وينبز أهل السنة بأقبح الأوصاف، مع أنه كان مجتهدا في مسائل الفروع ولا يتقيد بمذهب، فهل هو داخل في مسمى أهل الحديث، وهو بالتالي من الطائفة المنصورة؟.
الجواب: لا شك أن هذا الفهم أعوج سقيم.
وكذلك أخوه عبد الله بن الصديق الغماري له في علم الحديث باع طويل -ولكن ليس كأحمد-، وله جهود في علم الرجال مثل جمعه للرجال الذين قال عنهم"الحافظ الهيثمي"في"مجمع الزوائد": لم أعرفه أو لم أجد له ترجمة، وقد اكتشف صحابيا لم يذكره من كتب في الصحابة قبله، وهو ممن يحسن اتخاذ المساجد على القبور ويرى ذلك قربة وعبادة.
ومن هؤلاء القوم الذين اشتغلوا بعلم الحديث جمعا وتحقيقا وتخريجا الشيخ"محمد زاهد الكوثري"، وهذا الرجل كان له إلمام بهذا الفن يفوق التصور، وله معرفة بالمخطوطات تدل على براعة وذكاء وإحاطة فائقة، حتى قيل: إنه كان عنده القدرة أن يعرف المخطوط ومن كاتبه وفي أي سنة كتب، ولو لم يوجد على طرته ذلك!!، ومع هذه الإحاطة وهذا العمل، إلا أنه لا يدخل أبدا في مسمى أهل الحديث، لأنه كان عدوا للسنة ودعاتها، فكرس قلمه في طعن الموحدين، حتى وصل به الأمر-أي حقده على السنة والتوحيد- أن طعن في كبار الأئمة الثقات أمثال: الشافعي، وأحمد، وابنه عبد الله، والبخاري، وكثير غيرهم، بل إن بعض الصحابة لم يسلم من طعنه ولمزه أمثال: أنس بن مالك رضي الله عنه، وكل هذا بسبب تعصبه لمذهبه وحقده على أهل السنة والتوحيد.
هذه الأمثلة وكثير غيرها، وهي أمثلة واقعة، تبين لطالب الحق أن الاشتغال بالحديث وفنونه لا يدخل الرجل في مسمى أهل الحديث، وبالتالي ليس المقصود بعبارة الأئمة الهداة، أن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث هو المشتغل بعلم الحديث. بل لها معنى آخر لابد من اكتشافه ومعرفته.
وعلى هذا فإن الرجل أو الجماعة لا يكون من أهل الحديث، ولا من الطائفة المنصورة، وهم يعملون أجراء عند الطواغيت، وليسوا هم الذين يبذلون أشد البذل في المنافحة عنهم وإصباغ الشرعية عليهم، وليسوا هم تجار الورق بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليسوا هم صبية المكاتب الذين يتجسسون على الدعاة إلى الله تعالى، ويكشفون ستر المسلمين لأعداء الملة والدين، بل أهل الحديث غيرهم، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، برآء من هؤلاء، ووالله إنه لمن الظلم أن نجعل المجرمين كأهل الحديث.