وفي هذا الوقت لو سقطت أي حلقة من حلقات الردة في العالم، هل يوجد عند الحركات الإسلامية القدرة على تلقي التساقط ليكون وارثا له؟، وهل تملك هذه الحركات المقدمات الموضوعية لهذه الوراثة؟.
لو تصورنا هذه اللحظة أن المملكة السعودية ضعفت مركزيتها الآن وانتهى حكم آل سود، فكيف هو التصور الموضوعي لهذا الإرث؟ الجواب: بكل وضوح لن يكون من الوارثين أحد يسمى (الوارث الإسلامي) بل ستكون بدائل جاهلية جديدة، كما هي البدائل الحاصلة في الصومال حين سقوط الدولة.
وأنا ضربت مثالا بالجزيرة العربية كون العلمنة فيها إلى الآن لم تصل إلى أهدافها داخل الشعوب، مع وجود مقدمات جاهلية خادمة لخصومنا مثل القبلية وغيرها، أما إن ضربت مثلا بتونس فالصورة قاتمة ولا شك، كون عرى الإسلام قد هدمت من أصولها في الشعوب علاوة على الحكم والقضاء.
3 -هذا التوحش الذي سيكون وارثا لهذه الولايات بعد انفلاتها من المركز يوجب علينا عدة أمور أهمها:
أ- بناء تنظيمات مسلحة، قادرة على الترقي من مرحلة شوكة النكاية إلى شوكة التمكين، وإن كانت هذه التنظيمات تحمل من اسمها: القلة وعدم الانتشار إلا أنها حتى تقود هذا التوحش ثم تعيد صياغته من جديد فإنها بحاجة إلى السلاح والقدرة على إدارة التوحش، أو بمعنى آخر على إدارة الفوضى. وهذه التنظيمات وإن كانت في كثير من البلاد في هذا الوقت ليست بقادرة على تحقيق تقدم نوعي، أو حتى كمي، فإن وجودها قد يزدهر بدخول عوامل جديدة على هذه المعادلة الخاسرة، ثم لأن هذه التنظيمات هي الخط الرئيسي في الدفاع عن إسلام الأمة وتوحيدها، ثم هي بنكايتها الضيفة تعطي هامشا جديدا لحركات البلاغ والدعوة داخل مجتمعاتنا المتحولة، فانشغال حكومات الردة بحركات الجهاد المقاتلة يشغلهم عن الوعاظ والمدرسين ومشايخ التربية، وخطباء المساجد عملا بالقاعدة العقلية: ارتكاب أخف الضررين. وهذه التنظيمات واجبة القيام على الأمة أصلا.
ب- التوحش أو الفوضى ستعم العالم، وخاصة في بلادنا. أما الغرب فهم موصوفون أصلا بالقدرة على قيادة هذه الإدارة في بلادهم تاريخيا وهم المقصودون بقول عمر بن الخطاب:"وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة"والحديث في صحيح المسلم .. هذا التوحش -أو الفوضى- القادم على العالم سيجزئ الدولة الواحدة إلى تجمعات صغيرة تختلف من تجمع لآخر من حيث رابطتها، فبعضها قلبي، وبعضها فكري، وبعضها مذهبي، وبعضها طائفي، كما كنا نرى في لبنان وأفغانستان والصومال، وكما سنراها لاحقا في كثير من البلاد، إما بصورة جماعية وهو الأقوى نظرا، وإما على صورة تتابع في سقوط متتالي.
هذا التوحش يوجب علينا تعلم فن إدارة هذا التوحش، وهو سلاح ذو حدين -أقصد التوحش-، إما أن يجتثنا أو نفيد منه. وإفادتنا منه تكون بسبب ضعف المركزية مما يجعل لحركات الجهاد هامشا من الحركة غير المراقبة، من تدريب وإعداد وتنظيم، كما حصل في أفغانستان، وهنا لا بد من التنبيه على ضلال دعوة بعض قادة الحركات المهترئة بوجوب الحفاظ على النسيج الوطني، أو اللحمة الوطنية، أو الوحدة الوطنية، فعلاوة على أن هذا القول فيه شبهة الوطنية الكافرة، إلا أنه يدل على أنهم لم يفهموا قط الطريقة السننية لسقوط الحضارات وبنائها.
ثم هذا التوحش يوجد للغرباء مأوى يستترون فيه بعيدا عن طلبات اللجوء إلى بلاد الغرب، هذا إذا استطاعت حركات الجهاد أن توجد لها مكانا في قطعة الجبن المتناثرة.
ج- القدرة على إعادة التشتت إلى لحمة جديدة تحمل صورة الإسلام الصحيحة، وهذا يستدعي وجود قادة لهم نظر ثاقب في الإدارة والحرب، وحتى أقرب الصورة أكثر فإن القارئ الباحث يستطيع أن يستطلع شيئا مما هو مقبل من خلال معرفته معرفة حقيقية لواقع المجتمع الإسلامي قبل الحروب الصليبية وخلالها وبعدها، فإنه قد يعيد التاريخ نفسه إذا وجدت نفس المعطيات، والمعطيات متشابهة هاهنا وليست متطابقة.
د- وبقيت هنا نقطة وهي السؤال الذي تقدمت الإشارة إليه وهو: كيف سيعالج الغرب حالة الفوضى التي ستجتاحه؟.
ولأن الجواب له علاقة بواقع مجتمعاتنا فلا بد من الإجابة عليه.