وأنا لست من أهل هذا الفنّ ولا من أصحاب علومه المفاريد حتّى أنصح وأقوّم الكتب الرّائعة في هذا الباب، وأقصد ما عمله أهل الإسلام في اكتشاف علوم الحرب وقواعدها من خلال السّيرة النّبويّة، ولكنّي رأيت عامّة من كتب في هذا الباب إنّما تأسّست معارفه وعلومه في فنّ الحرب من الدّراسة خارج السّيرة، فلمّا قرأ السّيرة نعى على النّاس وخاصّة أهل الإسلام إعراضهم عن هذا النّبع العظيم، ومن هؤلاء الممدوحين في هذا الباب محمود شيت خطّاب في أغلب كتبه، وكذلك ما كتبه العسكريّ الباكستانيّ عن خالد بن الوليد، وما كتبه تنويهًا بهذا الأمر منير شفيق في كتابه"في نظريّات التّغيير"وإن كانت سيّئات الكتاب أكثر بكثير جدًّا من حسناته وإنّما أشرت إلى تنويهه لقيمة السّيرة النبويّة في هذه العلوم، والرّجل له كتاب عندما كان شيوعيًّا ماويًّا في فنّ الحرب وما كتبه الأخ عمر عبد الحكيم في القسم الثّاني من كتابه"الثّورة الإسلاميّة الجهاديّة في سوريا"والذي حرص فيه أن ينبّه إلى أهميّة هذا البحث وليس فقط ما اقتصر البعض عليه من قراءة السّياق التّاريخيّ لمأساة جماعات البدعة على الجهاد في سوريّا الشّام، وما ذكر فيه من قواعد اختصّ بها دون غيرها من الكتب المتقدّمة في البناء المنهجيّ لجماعات الجهاد المعاصرة فعلوم الكونيّات تؤخذ من أصحابها المتفقّهين فيها ولا تؤخذ من غير أهلها، فإذا وقعت الموازنة بين الفاسق أو الكافر العالم لهذه العلوم وبين المسلم الصّالح الجاهل في هذه العلوم فإنّ واجب التّرجيح يكون مائلًا إلى أصحاب هذه العلوم من غير تردّد.
نعم: أمانيّنا أن يجتمع البيان والدّين مع القوّة والفنون المادّيّة، ولكنّها أماني أظنّ أنّنا فقدناها قديمًا في أهل الإسلام، ولا حاجة لذكر ما ذكره ابن تيمية رحمه الله تعالى من حصول هذا الافتراق في زمانه، ولكن وما ذلك على الله بعزيز.
وممّا يجب أن يُعلم أنّ هذه العلوم دليلها الحسّ والتّجربة والعقل، ومن رام دليل هذه العلوم في كلّ أحداثها وقواعدها وأصولها من الكتاب والسّنّة من غير العمومات فهو جاهل لا يفهم دين الله تعالى، نعم هي داخلة في عمومات الشّريعة التي تُبيح لنا تعلّم هذه العلوم من غير طريق النّبوّة (الوحي) كالسّير في الأرض والنّظر والبحث و (( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ).
فمثل هؤلاء الطّالبين لأدلّة ما هو كونيّ ممّا هو شرعيّ يذكّروننا بقصّة ذكرها ابن حزم في بعض كتبه وأظنّ أنّه"طوق الحمامة"، تقول القصّة: إنّ رجلًا مغفّلًا من أهل الحديث ركب سفينة فرأى رجلًا نصرانيًّا يحمل زجاجات خمر، فتقدّم منه المحدّث المغفّل وسأله عمّا هو داخل الزّجاجات. فقال: هذه زجاجات خمر.
فقال المحدّث: ما دينك؟. قال الرّجل: نصرانيّ. قال المحدّث: ممّن اشتريتها؟. قال الرّجل: من يهوديّ.
فأهوى المحدّث بيده على قارورة منها فشربها، فتعجّب النّصرانيّ وقال له: أقول لك هي خمر وتشربها؟!!.
فردّ المغفّل: يا هذا يأتيني الحديث عن فلان وفلان (وذكر أسماء جماعة من كبار أهل الحديث) فأردّه، أفآخذ بقول نصرانيٍّ عن يهوديّ؟!.
ما يهمّنا كون المحدّث شرب الخمر وبالتّالي سيَسكر ولن تنفعه مهارته المزعومة، ولا احتياطه المقلوب، ولا منطِقُه المعكوس، وهذا من فساد المتنطّعين في ظنّهم أنّ إتقان علمٍ من العلوم وقاعدة من القواعد لقضيّة من القضايا كافية للفتوى والجواب على أيّ مسألة في الدّين والدّنيا، فمصلّح السيّارات يُفتي في إصلاح الأبدان والطّبّ، وخبير الكمبيوتر يتحدّث ويُفتي في علم الحديث، وللأسف فإن هذا كلّه لا نراه إلاّ عند أهل الإسلام لأنّنا ما زلنا نفكّر بمنطق أرسطو الذي علّمنا الكليّات الجامعة لكلّ العلوم سواء كانت المعارف كونيّة أو من العلوم الشّرعيّة.
أليس من المعيب حقًّا أن يُفتي شيخٌ في علم الحديث لرجل يعيش في البوسنة زمن الحرب أن لا يقاتل حتّى يصل الصّربيّ باب بيته؟!!.
ثمّ أليس من المَعيب أن يظنّ مفكِّرٌ أو بصير في علمٍ من العلوم الكونيّة أنّ قواعده الكليّة وروح الإسلام العامّ ترشده إلى إدراك الحكم الشّرعيّ في أيّ مسألة من المسائل، حتىّ تصحيح الأحاديث وتضعيفها يدخل في باب روح الإسلام وقواعده الكليّة؟!!.
نعم: ديننا ليس فيه كهنوت، وليس فيه فاتيكان، وليس فيه بابا، ولكن أليس في ديننا شيء يسمّى طلب العلم؟!!.