{فلما فصل طالوت بالجنود} هذه الآية تحمل في طيّاتها معنى تخلُّف الملأ، وفيها إشارة إلى أن الملأ قد سقط في أيديهم فمنهم من لحق بالركب فسار جنديًا، ومنهم من تخلف ليبقى تحت وصف الملأ، فحيث ذهبَت حقيقتهم عن الموقع -الفصل- ذهب وصفهم، فمن فُصِل به فخرج معهم سار تحت وصف جديد هو"الجنود"..
فصل طالوت {بالجنود} ، وطالوت عيِّن مَلِكًا بقرارٍ لا دخل للجنود ولا للملأ فيه، بل ببعثٍ إلهي {إنَّ الله قد بعثَ لكم طالوت ملكًا} مبرّر البعث {بسطَةً في العلمِ والجسم} ، القوّة والأمانة. جاء امتحانٌ تشريعيٌّ لا دخل للبشر فيه وهو قول طالوت: {إن الله مبتليكم بنهرٍ فمن شرب منه فليس منّي ومن لم يطعمه فإنّه منّي إلاّ من اغترف غرفةً بيده} فهذا أمرٌ تشريعي من وضعٍ إلهي، وليس استحسانا بشريّا لشروط يضعها أصحاب التّصفية المزعومة، والتربية المدّعاة، فكيف يجوز للناس أن يشترطوا شروطا للجهاد ما أنزل بها من سلطان؟ وما هي الأدلة على هذه الشُّروط البدعية؟ فهذا شيخٌ يريد من الأمّة أن لا تجاهد حتى يصبح قيام الليل ديْدنها بلا تخلّف أحد منها، وهذا شيخٌ لا يُجيز الجهاد للأمّة حتى تحفظ الأربعين النوويّة، وهذا شيخٌ يشترط للجهاد أن تصبح الأمّة منظِّرةً في السياسة وفهم الألاعيب الدولية، وهذا شيخٌ يوجب على الأمّة قبل الجهاد أن تنبذ المذهبيَّة وإلا سيكون جهادها في سبيل المذاهب الأربعة وهذا .. وهذا .. ، شروطٌ ما أنزل الله بها من سلطان، ثم هنا نقطة يدور البحث عليها، وهي: هل طالوت عليه السّلام اشترط شروطًا قبل إعلان الجهاد؟ أم أنّ شروطه على جنوده كانت بعد الفصل بالجنود؟ وهذه نقطة مهمّة لأنّ الحدث يدلّنا على أنّ ابتلاء القائد لمعرفة حقيقة جنوده واختبارهم في قدراتهم، وفي مدى تحمّلهم للصّعاب والأثقال كانت في مسيرة الجهاد، ومن خلال حركته مع جنوده، لا كما يريد مشايخنا في هذا الزّمان، وهو أن يمتحنهم وهم على فُرشِهم الوثيرة، فشتّان بين إخلاص ونقاءٍ حقيقيّ يخرج من وسط الملمّات والمحن، وبين إخلاص مزيّفٍ يخرج من امتحانات الولاء للقيادة، وابتلاءات تسليم الرّأس كالببّغاء دون وعيٍ وإدراك فتصبغ عليه القيادة لباس القُرب والنّجاح.
إنّ معرفة طالوت لحقيقة جنوده كانت من خلال مسيرته وحركته للجهاد في سبيل الله تعالى، وهذا الذي نقوله وندعوا النّاس إليه بفضل الله تعالى ورحمته، ونحمدُ الله تعالى أن عافانا من أمراض الآخرين وتصوّراتهم العليلة.
ثمّ خلص من خلص إلى المواجهة ضدّ جالوت وجنوده بعد محنة النّهر والشُّرب منه، ثمّ محنة الكثرة والقوّة الماديّة، ولم يذكر لنا القرآن الكريم أنّ محنة الكثرة العدديّة أسقَطَت بعض القوم، بل إنّ الوصف المدْحيّ لهم كان قبل ابتلائهم برؤية كثرة عدوِّهم، حيث قال الله تعالى بعد حادثة النّهر: {فلمّا جاوزه هو والذين آمنوا معه} ، فوَصْف الإيمان هنا وصفٌ مدحيّ، لكنّ الإيمان مراتب متفاوتة وليس على درجة واحدة.
قال تعالى: {فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت وآتاه الله المُلك والحِكمة وعلّمه ممّا يشاء} .
حصل المقدور الإلهيّ بنصر المؤمنين ووقع الوعد الإلهيّ {كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله والله مع الصّابرين} ، ومن حدَث المعركة، ومن وسط ملمّاتها، ومن حركة الجهاد عرف النّاس داودَ عليه السّلام، ونحن المسلمين نعتقد أنّ النّبوّة اختيار واصطفاء، وقد عاب السّلف رحمهم الله على الإمام ابن حبان البستي صاحب الصّحيح، حين قال:"إنّما النّبوّة العلم والعمل"، حيث لمحوا فيها إلغاء الاختيار والاصطفاء الإلهي، ولكنّنا نجزم أنّ الإمام ابن حبان لم يرد هذا، وأنا أقدّم هذا حتّى لا يخرجَ علينا زاعمٌ بأنّ معنى ما نقول هو إلغاء الاختيار، ولكنّا عرفنا من خلال الآيات أنّ داود عليه السّلام برز بعد {وقتل داود جالوت} . فجمع الله تعالى لداود ما تفرّق قبل الحدث بين النّبوّة والملك {وآتاه الله الملك والحكمة} . نعم! عندما قتل الجنديّ داود الكافرَ جالوت كانت مقدّمة الاختيار.
{قتل} فاجتباه الله تعالى، فهل عقل مشايخنا هذا: قتل، قتل، قتل ... ؟ فليت مشايخنا يعيدون لنا تفسير وتجليَة كلمة"قتل". قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يجتمع كافر وقاتله في النّار ) )رواه مسلم.