إن القيام بهذا الأمر أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوى عليه إلا المتعلّق بالآخرة، الرّاجي لأجْرِها أن يُصيبه، ولعذابِها أن يخطِأَه، والذّاكرُ لربّه تقويةً لقلبه، وتطمينًا له من أن يهتزَّ أو يرتجف كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاذكروا الله كثيرًا لعلّكم تفلحون} الأنفال، لأن الأُسوة في هذا الباب تكاليفها شاقّة عالية، يرى المرءُ آثارها بأمّ عينَيْه، ويعيشُ هذه التكاليفَ لحظةً بلحظة، فهو معذَّبٌ من طواغيت الأرض، أو مطاردٌ غَريب، أو محاصَرٌ مَحْبوس، أو مهدّدٌ يرْقب الموتَ في كلِّ آن، ومثل هذا الحال لن يصبِر عليه إلا من قام به من أجل الآخرة، واستعان على هذا الصبر بذكر الله تعالى، وبهذا يتحقق التوافق بين ذكر الأسوة وبين ذكر وصف القائم بها، وذلك بخلاف المتأسِّي به في غير هذا الباب، إذ أنّه قد تجتمع رغبة النّفس وشهوتُها مع الأسوة في أبواب أخرى كثيرة معلومة لدى القاصي والدّاني، لأنّ الأسوة في هذا الباب لا تكلِّف كثيرًا، ولا تصابر النّفس نفسها عليها، بل تقوم عليها راغبةً فرحةً، لا تخاف شيئا لترجو غيره، ولا تضطرب فتحتاج إلى الاطمئنان.
{ولمَّا رأى المؤمنون الأحزابَ قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيمانًا وتسليما من المؤمنين رجالٌ صدَقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحْبهُ ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا} .