فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 257

قال ابن تيمية: وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة، منها أن المرتد يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمة، بخلاف الكافر الأصلي، ومنها أن المرتد يقتل وإن كان عاجزا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ومنها أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته، بخلاف الكافر الأصلي إلى غير ذلك من الأحكام. (مجموع الفتاوى28/ 532) . وعلى هذا فأحكام قتال المرتدين أشد من أحكام قتال الكفار الأصليين، ولما علمنا أن حكام بلادنا مرتدون فلا يجوز مصالحة أحد منهم أو مسالمته أو مهادنته تحت دعوى المصلحة، أي أنه لا يجوز لجماعات الجهاد أن تداهن أحدا من هؤلاء المرتدين أو تسالمه أو تتعاون معه في قتالها لطائفة الكفر في بلدها.

كان المسلمون الأوائل يخرجون للجهاد وقد حضروا أنفسهم وجهزوا أمورهم وهم في أرضهم وبلدهم آمنون.

أما اليوم انظر إلى واقع الجماعات المجاهدة فإنها جاءت إلى واقع مقفل لا منفذ لهم فيه، وقد ترقت الدول العلمانية الكافرة اليوم في الحالة الأمنية الرقي الشديد ما لم يكن بمثل هذه الصورة المتينة في يوم من الأيام، وليس للجماعات المجاهدة أرض ينطلقون منها، ومع ذلك فهم يواصلون الطريق بكل آلامها وجروحها فلو أصابتهم مصيبة في لقاء ومعركة من المعارك فليس لهم أرض يفيئون إليها، ولا فئة ينحازون إليها، فيا الله ما أعظم هذا النوع من الجهاد وما أشقه!!.

نعم إن جهاد المرتدين اليوم جهاد شاق وفيه من البلاء والعنت ما الله به عليم، والرجل المجاهد ملاحق من بيت إلى بيت، وأهله تحت سطوة الطاغوت وقوته، أي أنه مكشوف نصفه، بل أغلبه، فهذا جهاد خاص ولذلك له أجر خاص كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أجر المتمسك بدينه في مثل هذه الأزمان أجر خمسين من الأوائل، لأن المجاهدين اليوم لا يجدون على الحق أعوانا وكان الأوائل يجدون على الحق أعوانا.

انظر اليوم كم يعاني الأخ من أجل أن يصل إلى أرض الجهاد، وكم يبذل من الجهد والفكر، وكم يلاقي من العذاب والمشقة من أجل أن يصل إلى أرض ليجاهد فيها، وتفكر في هذه القيود الأمنية التي يخترقها الشباب المسلم الموحد حتى يطبق فريضة وعبادة القتال في سبيل الله تعالى ضد المرتدين؟.

هل مر على المسلمين مثل هذه الحالة من قبل؟.

الجواب القديم: بالقطع أننا لم نعهد قبل هذه الحالة في تاريخنا.

انظر اجتماع العالم أجمع - كفارا ومرتدين - من أجل تطويق الجهاد والمجاهدين، وهم لا ظهر يحميهم ولا دولة ترعاهم، ولا إعلام يوصل صوتهم، فهل مر على المسلمين على مدار التاريخ مثل هذه الحالة؟. الجواب: بالقطع هو النفي.

2 -وأما السبب الثاني فهو موافقة الأمر القدري للأمر الشرعي المتقدم وأعني أنه لما جعل الشارع الحكيم سبحانه وتعالى حكم المرتد أشد من حكم الكافر الأصلي إنما هو لأن المرتد في نفسه وحاله يستحق هذا الحكم وهو ملائم له وقد أشار الكاساني رحمه الله في كلامه المتقدم إلى هذا المعنى، وهو أن المرتد لم يقع منه هذا الكفر إلا بسبب انحطاط نفسه وخبثها وعظيم شرها، فإن من أسلم وعرف حقيقة هذا الدين وعظمته وأثره على النفس والحياة ثم انقلب عنه بغضا وكرها لما أنزل الله تعالى فإن هذا الشخص يستحق هذا الحكم في حقه، وهو لا يستحق هذه الحياة، فليس له أن ينعم بخيراتها ولا يأكل من ثمارها.

ولما كان بغض المرتدين لهذا الدين وكذلك بغضهم لأهله شديدا كان قتالهم للمسلمين شديدا، بخلاف الكفار الأصليين فإن الكثير منهم لا يعرف لماذا يقاتل ولا علام يقاتل، بل يساق إلى الحرب سوقا، ولذلك بعد أن تضع الحرب أوزارها فان كثيرا منهم يدخل في دين الله تعالى، وهذا حال الدول والممالك والأقطار التي فتحها المسلمون الأوائل رحمهم الله تعالى، فإن تلك البلاد دخل أصحابها في دين الله تعالى أفواجا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت