هؤلاء الخصوم تتفاوت درجاتهم في فهمهم للمنهج الصّداميّ، فبعضهم يرى أنّه بمجرّد تبنّي الحركة الإسلاميّة للعمل السّياسيّ أو كما يسمّيه بعضهم الكفاح السّياسيّ يصبح المنهج صداميًا يعطي المبرّر للطّواغيت بضرب الحركة، وبعضهم مثل جماعة التّبليغ يرى أنّ مجرّد الحديث في السّياسة طريق مهلك للعمل الإسلاميّ، لأنّنا بذلك ندقّ نواقيس الخطر التي يتخوّف منها الطّغاة، ومن أعجب ما نرى ممّن ينتمي للإسلام أن نرى بعض المشايخ وخاصّة ممّن ينتمي للتّيّار السّلفي ويتدثّر بشعاره يعلن ويجعل وليّ الأمر في مرتبة لا يجوز أن يتحدّث عنها أحد بنقد أو تقويم، ولكن هل صحيح أنّ سبب ضرب الطّغاة للحركة الإسلاميّة تبنّيها العنف ؟.
جوهر الخلاف بين مدرسة الجهاد والسلام:
بقليل من التّمعّن والنّظر يتبيّن للفاحص أنّ الخلاف بين مدرسة كفّ الأيدي والصّبر وترك العنف والعمل الصّداميّ، وبين المدرسة الجهاديّة السّلفيّة ليس خلافًا على باب من أبواب الفقه، وليس الخلاف حول مسألة فقهيّة، يسع النّاس الخلاف فيها، بل الخلاف حول منهج ومنهج، بل يصل الخلاف إلى مستوى طبيعة الفهم للإسلام وجوهره، حيث تنظر بعض التيّارات المذكورة إلى الإسلام من بُعد إنسانيّ يعظّم فيها الإنسان إلى درجة التأليه، وهذا يفرز صورة تعطي للعقل الإنسانيّ حقّ إلغاء النّص تحت دعاوى أصوليّة كثيرة، مثل مدرسة"الغائيّة"أو مدرسة"المصلحة"التي ينسبونها كذبًا وزورًا للإمام أبي إسحاق الشّاطبيّ، وأمّا المدرسة الجهاديّة فهي تتعامل مع القضيّة من بُعد واحد، وهو بعد العبوديّة لربّ العالمين، وبه تلغى الأهواء التي تسمّى زورًا بالعقل والمنطق.
الجماعات المعاصرة: الاختراق والتراص:
حين تصبح الجماعة مهمّتها توصيل الرجال (رجالها) إلى البرلمان، فمن المقدّم حينئذٍ في هذه الجماعة؟:
1 -لأنّها تحاول جاهدة لكسب أصوات العشائريين، ورجال القبائل فإنّها ستتغاضى عن الكثير من المواصفات والميّزات في الرجال مقابل أن تبحث عن رجل تدفع له عشيرته أصواتها، فحينئذٍ المقدَّم هو رجل عشائريّ.
2 -ولأنّها بحاجة إلى المال من أجل الدعاية الانتخابية فإنّها ستقدّم الرجل الأكثر مالًا، وستتغاضى عن الكثير من الصفات الشّرعيّة للعدالة حتى تستفيد من قدراته الماليّة.
هذه الخروق وغيرها تجعل وصول الوصوليين والانتهازيين والنّفعيين والعملاء إلى القيادة سهلًا وميسورًا، وقد كان، وهذا حال الكثير من التنظيمات والتّكتّلات والتّجمّعات الإسلاميّة، حتّى المراكز الإسلاميّة لو نظرنا إلى القائمين عليها لرأيناهم على الحال الذي تقدّم وصفه.