* عن عتبة بن غزوان قال: لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابع سبعة، مالنا طعام، إلا ورق الحبلة، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة، ما يخالطه شيء.
(1/ 171ـ172)
* قال عبد الرحمن بن عوف: بلينا بالضراء، فصبرنا؛ وبلينا بالسراء فلم نصبر.
* عن وهب بن منبه قال: ما من شئ، إلا يبدو صغيرًا، ثم يكبر؛ إلا المصيبة، فإنها تبدو كبيرة، ثم تصغر.
* عن وهب بن منبه قال: البلاء للمؤمن، كالشكال للدابة.
* عن وهب بن منبه قال: من أصيب بشئ من البلاء، فقد سلك به طريق الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.
* عن أبي الجلد قال: ليحلن البلاء على أهل الصلاة خصوصًا لا يراد غيرهم، والأمم حولهم آمنون يرتعون، حتى أن الرجل ليرجع يهوديًا أو نصرانيًا.
* عن نوف البكالي قال: مثل هذه الأمة: مثل المرأة الحامل، يرجى لها الفرج على رأس ولدها؛ وهذه الأمة، إذا لج بها البلاء، لم يكن لها فرج دون الساعة.
* عن الجنيد بن محمد قال: البلاء على ثلاثة أوجه: على المخلطين عقوبات، وعلى الصادقين تمحيص جنايات، وعلى الأنبياء من صدق الاختيارات.
* عن يزيد بن ميسرة قال: لا تضر نعمة معها شكر، ولا بلاء معه صبر؛ ولبلاء في طاعة الله، خير من نعمة في معصية الله.
* عن عثمان بن بزدويه قال: كنت مع وهب بن منبه وسعيد بن جبير يوم عرفة، تحت نخيل ابن عامر؛ فقال وهب لسعيد: يا أبا عبد الله، كم لك منذ خفت من الحجاج؟ قال: خرجت عن امرأتي وهي حامل، فجائني الذي في بطنها، وقد خرج وجهه؛ فقال له وهب: إن من كان قبلكم، إذا أصاب أحدهم بلاء، عده رخاء؛ وإذا أصابه رخاء، عده بلاء.
* عن سعد قال: كنا قومًا يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشدته، فلما أصابنا البلاء، اعترفنا لذلك، ومرنا عليه، وصبرنا له؛ ولقد رأيتني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة، خرجت من الليل أبول، وإذا أنا أسمع بقعقعة شيء تحت بولي، فإذا قطعة جلد بعير؛ فأخذتها، فغسلتها، ثم أحرقتها، فوضعتها بين حجرين، ثم استفها، وشربت عليها من الماء، فقويت عليها ثلاثًا.
* عن الحسن قال: خطب عتبة بن غزوان، فكان أول أمير خطب على منبر البصرة؛ ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومالنا طعام، إلا ينوي الشجر، حتى قرحت أشداقنا، غير أني التقطت بردة، فشققتها بيني وبين سعد بن مالك؛ قال: فما بقي من الرهط السبعة، إلا أمير، على مصر من الأمصار.
* عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم؛ فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي؛ قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة، خر منها قرطي؛ قالت: ثم انصرفوا.
* عن أبي بكر الواسطي قال: قال سمنون بن حمزة: يا رب، قد رضيت بكل ما تقضيه علي، فاحتبس بوله أربعة عشر يومًا، فكان يلتوي كما تلتوي الحية على الرمل، يتقلب يمينًا وشمالًا؛ فلما أطلق بوله، قال: يا رب، تبت إليك. وأنشدت عن جعفر عن سمنون:
أنا راض بطول صدك عني…ليس إلا لأن ذاك هواكا
فامتحن بالجفا صبري على…الود ودعني معلقا برجاكا
* عن أبي أبا بكر الزقاق قال: كان سبب ذهاب بصري: أني خرجت في وسط السنة أريد مكة، وفي وسطي نصف جل، وعلى كتفي نصف جل، فرمدت إحدى عيني، فمسحت الدموع بالجل، فقرح المكان، فكانت الدموع والدم، يسيلان من عيني وقرحتي، وأنا من سكر إرادتي لم أحس به؛ وإذا أثرت الشمس في يدي، قلبتها ووضعتها على عيني، رضاء مني بالبلاء؛ وكنت في التيه وحدي، فخطر بقلبي: أن علم الشريعة يباين علم الحقيقة، فهتف بي هاتف من شجر البادية: يا أبا بكر، كل حقيقة لا تتبعها شريعة، فهي كفر.
* قال صدقة المقابري لرجل كان يواخيه ويصحبه: كيف تجدك؟ فقال: إن الذي بي من البلاء، أقل مما أصبت من لذة الهوى، ولو أصابني من البلاء، بقدر ما نلت من لذة الهوى، إذا لاجتمع علي جميع البلاء. وكان كثيرا ينشد أبياتا للثقفي:
أما ترى الموت ما ينفك مختطفا…من كل ناحية نفسًا فيحويها
قد نغصت أملًا كانت تؤمله…وقام في الحي ناعيها وباكيها
وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم…بعد النضارة ثم الله يحييها
وصار ما جمعوا منها وما دخروا…من الأقارب يحويه أدانيها
فامهد لنفسك في أيام مدتها…واستغفر الله مما أسلفته فيها
* سئل علي بن الحسين عن كثرة بكائه، فقال: لا تلوموني، فإن يعقوب فقد سبطًا من ولده، فبكى حتى ابيضت عيناه، ولم يعلم أنه مات؛ وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلًا من أهل بيتي في غزاة واحدة؛ أفترون حزنهم يذهب من قلبي؟.
* عن إبراهيم النخعي: أنه بكى في مرضه، فقالوا له: يا أبا عمران، ما يبكيك؟ قال: وكيف لا أبكي، وأنا انظر رسولًا من ربي يبشرني، إما بهذه، وإما بهذه؟
* عن حذيفة رضي الله عنه قال: تعودوا الصبر، فأوشك أن ينزل بكم البلاء؛ أما أنه لا يصيبنكم أشد مما أصابنا نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
* عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت سعدًا ـ بن أبي وقاص ـ يقول: لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى يضع أحدنا كما تضع الشاة.
* عن سعيد بن جبير قال: مازال البلاء بأصحابي، حتى رأيت أن ليس لله في حاجة، حتى نزل بي البلاء.
* عن سفيان الثوري قال: ليس بفقيه، من لم يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة.
* عن إبراهيم النخعي قال: إني لأرى الشيء، أكرهه في نفسي، فما يمنعني أن أعيبه، إلا كراهية أن أبتلى بمثله.
* عن طاووس قال: لم يجهد البلاء من لم يتول اليتامى، أو يكون قاضيًا بين الناس في أموالهم، أو أميرًا على رقابهم.
* عن عبد الملك بن أبجر قال: ما من الناس إلا مبتلى بعافية، لينظر كيف شكره، أو مبتلى ببلية، لينظر كيف صبره.
* عن عون بن عبدالله بن عتبة قال: إن الله ليكره عبده على البلاء، كما يكره أهل المريض مريضهم، وأهل الصبي صبيهم، على الدواء؛ ويقولون: اشرب هذا، فإن لك في عاقبته خيرًا.
* عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ألا حبذا المكروهات: الموت والفقر، وأيم الله، إن هو إلا الغنى أو الفقر، وما أبالي بأيهما ابتليت؛ إن كان الغنى، إن فيه للعطف؛ وإن كان الفقر، إن فيه للصبر.
* عن سالم بن أبي حفصة قال: لما أتى سعيد بن جبير الحجاج، قال: أنت شقي بن كسير، قال: أنا سعيد بن جبير، قال: لأقتلنك، قال: أنا إذًا كما سمتني أمي؛ ثم قال: دعوني أصلي ركعتين، قال: وجهوه الى قبلة النصاري، قال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] . ثم قال: إني أستعيذ منك بما عاذت به مريم، قال: قالت: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم:18] . قال سفيان: لم يقتل بعد سعيد بن جبير، إلا رجلًا واحدًا.
* عن ابن عباس، أنه قال: وقع في قلب أم شريك الإسلام، فأسلمت وهي بمكة، وهي إحدى نساء قريش، ثم إحدى بني عامر بن لؤي، وكانت تحت أبي العسكر الدوسي؛ فأسلمت، ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرًا، فتدعوهن، وترغبهن في الإسلام؛ حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها، وقالوا: لولا قومك، لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم؛ قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء، موطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثًا، لا يطعمونني، ولا يسقوني؛ قالت: فما أتت عليّ ثلاث، حتى ما في الأرض شيء أسمعه؛ قالت: فنزلوا منزلًا، وكانوا إذا نزلوا منزلًا أوثقوني في الشمس، واستظلوا هم منها، وحبسوا عني الطعام والشراب، فلا تزال تلك حالي، حتى يرتحلوا؛ قالت: فبينما هم قد نزلوا منزلًا، وأوثقوني في الشمس، واستظلوا منها، إذا أنا بأبرد شيء على صدري، فتناولته، فإذا هو دلو من ماء، فشربت منه قليلًا، ثم نزع فرفع، ثم عاد، فتناولته، فشربت منه، ثم رفع، ثم عاد أيضًا، فتناولته، فشربت منه قليلًا، ثم رفع؛ قالت فصنع به مرارًا، ثم تركت، فشربت حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي؛ فلما استيقظوا، إذا هم بأثر الماء، ورأوني حسنة الهيئة؛ قالوا لي: أتحللت، فأخذت سقاءنا، فشربت منه؟ قلت: لا والله، ما فعلت، ولكنه كان من الأمر كذا وكذا؛ قالوا: لئن كنت صادقة، لدينك خير من ديننا؛ فلما نظروا إلى أسقيتهم، وجدوها كما تركوها، فأسلموا عند ذلك؛ وأقبلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوهبت نفسها له بغير مهر، فقبلها، ودخل عليها.
* عن مجاهد قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار، وسمية أم عمار؛ فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون، فألبسوهم أدراع الحديد، ثم صهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ، من حر الحديد والشمس؛ فلما كان من العشي، أتاهم أبو جهل لعنه الله، ومعه حربة، فجعل يشتمهم، ويوبخهم.
* ابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف خبيبًا، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرًا، حتى أجمعوا قتله؛ فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها، فأعارته إياها، فدرج بني لها، حتى أتاه؛ قالت: وأنا غافلة، فوجدته مجلسه على فخذه، والموسى بيده، قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك؛ قالت: والله، ما رأيت أسيرًا قط، خيرًا من خبيب، والله، لقد وجدته يومًا يأكل قطفًا من عنب في يده، وإنه لموثق في الحديد، وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبًا؛ فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أركع ركعتين، فتركوه؛ ثم قال: ولله، لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت. اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تبق منهم أحدًا؛ ثم قال:
فلست أبالي حين أقتل مسلمًا…على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ…يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه أبو سروعة: عقبة بن الحارث، فقتله.
* عن عثمان قال: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البلاء، وهو يغدو ويروح، في أمان من الوليد بن المغيرة؛ قال: والله، إن غدوي ورواحي آمنًا، بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني، يلقون من الأذى والبلاء ما لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي؛ فمشى إلى الوليد بن المغيرة، فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك، قال: لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله عز وجل، ولا أريد أن أستجير بغيره؛ قال: فانطلق إلى المسجد، فاردد على جواري علانية، كما أجرتك علانية؛ قال: فانطلقا، ثم خرجا، حتى أتيا المسجد، فقال لهم الوليد: هذا عثمان، قد جاء يرد على جواري، قال لهم: قد صدق، قد وجدته وفيًا كريم الجوار؛ ولكني قد أحببت أن لا أستجبر بغير الله، فقد رددت عليه جواره؛ ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب القيسي في المجلس من قريش، ينشدهم فجلس معهم عثمان، فقال لبيد وهو ينشدهم:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
فقال عثمان: صدقت. فقال:
وكل نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان: كذبت، نعيم أهل الجنة لا يزول.
قال لبيد بن ربيعة: يا معشر قريش، والله، ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث فيكم هذا؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله. فرد عليه عثمان، حتى سرى ـ أي عظم أمرهما ـ، فقام إليه ذلك الرجل: فلطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب، يرى ما بلغ من عثمان؛ فقال: أما والله يا ابن أخي، إن كانت عينك عما أصابها لغنية، فقد كنت في ذمة منيعة، فقال عثمان: بلى والله، إن عيني الصحيحة، لفقيرة إلى ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر، يا أبا عبد شمس؛ فقال عثمان بن مظعون فيما أصيب من عينه:
فإن تك عيني في رضا الرب نالها…يدا ملحد في الدين ليس بمهتد
فقد عوض الرحمن منها ثوابه…ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد
فإني وإن قلتم غوي مضلل…سفيه على دين الرسول محمد
أريد بذاك الله والحق ديننا…على رغم من يبغي علينا ويعتدي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)