* عن عقيل بن معقل بن منبه قال: سمعت عمي وهب بن منبه يقول: يا بني، أخلص طاعة الله بسريرة ناصحة، يصدق الله فيها فعلك في العلانية، فإن من فعل خيرًا ثم أسره إلى الله، فقد أصاب موضعه، وأبلغه قراره؛ وإن من أسر عملًا صالحًا، لم يطلع عليه أحدًا إلا الله، فقد يتحقق عليه من هو حسبه، واستودعه حفيظا لا يضيع أجره؛ فلا تخافن على عمل صالح أسررته إلى الله عز وجل ضياعًا، ولا تخافن من ظلمه، ولا هضمه، ولا تظنن أن العلانية هي أنجح من السريرة، فإن مثل العلانية مع السريرة: كمثل ورق الشجر مع عرقها، العلانية ورقها، والسريرة عرقها، إن نخر العرق، هلكت الشجرة كلها، ورقها وعودها، وإن صلحت، صلحت الشجرة كلها، ثمرها، وورقها؛ فلا يزال ما ظهر من الشجرة في خير، ما كان عرقها مستخفيًا، لا يرى منه شيء؛ كذلك الدين: لا يزال صالحًا ما كان له سريرة صالحة، يصدق الله بها علانيته، فإن العلانية تنفع مع السريرة الصالحة، كما ينفع عرق الشجرة صلاح فرعها، وإن كان حياتها من قبل عرقها، فإن فرعها زينتها وجمالها، وإن كانت السريرة هي ملاك الدين، فإن العلانية معها تزين الدين وتجمله؛ إذا عملها مؤمن، لا يريد بها إلا رضاء ربه عز وجل.
* عن المغيرة بن حبيب أبي صالح ـ ختن مالك بن دينار ـ قال: يموت مالك بن دينار وأنا معه في الدار، لا أدري ما عمله، قال: فصليت معه العشاء الآخرة، ثم جئت، فلبست قطيفة في أطول ما يكون الليل، قال: وجاء مالك، فقرب رغيفه، فأكل، ثم قام إلى آخر الصلاة، فاستفتح، ثم أخذ بلحيته، فجعل يقول: إذا جمعت الأولين والآخرين، فحرم شيبة مالك بن دينار على النار؛ فو الله ما زال كذلك، حتى غلبتني عيني، ثم انتبهت، فإذا هو على تلك الحال، يقدم رجلًا، ويؤخر رجلًا، ويقول: يا رب، إذا جمعت الأولين والآخرين، فحرم شيبة مالك بن دينار على النار، فما زال كذلك، حتى طلع الفجر؛ فقلت في نفسي: والله، لئن خرج مالك بن دينار فرآني، لا يبل لي عنده بالة أبدًا، قال: فجئت إلى المنزل، وتركته.
* عن عون يقول: إن صاحب عمل الآخرة، لا يفجأك، إلا سرك مكانه؛ وإن صاحب عمل الدنيا، لا يفجأك، إلا ساءك مكانه؛ قال: وسمعت عونا يقول: ما اجتمع رجلان، فتفرقا، حتى يعقد الشيطان في قلب كل واحد منهما عقدة، فإن لقي أخاه فسلم عليه، حلت العقدة، وإلا كانت العقدة كما هي؛ قال: وسمعت عونًا يقول: إذا سرك أن تنظر إلى الرجل، أحسن ما يكون عليه حالا، فانظر إليه وهو قائم يصلي.
* قال محمد بن القاسم الطوسي خادم محمد: كان محمد ـ بن أسلم ـ يدخل بيتا، ويغلق بابه، ويدخل معه كوزا من ماء، فلم أدر ما يصنع؛ حتى سمعت ابنا له صغيرًا يبكي بكاءه، فنهته أمه، فقلت لها: ما هذا البكاء؟ فقالت: إن أبا الحسن يدخل هذا البيت، فيقرأ القرآن ويبكي، فيسمعه الصبي، فيحكيه، فكان إذا أراد أن يخرج، غسل وجهه، واكتحل، فلا يرى عليه أثر البكاء. أو: كان محمد يصل قومًا، ويعطيهم، ويكسوهم، فيبعث إليهم، ويقول للرسول: انظر أن لا يعلموا من بعثه إليهم، فيأتيهم هو بالليل، فيذهب به إليهم، ويخفي نفسه، فربما بلى ثيابهم، ونفد ما عندهم، ولا يدرون من الذي أعطاهم؛ ولا أعلم منذ صحبته وصل أحدًا بأقل من مائة درهم، إلا أن لا يمكنه ذلك.
* وسئل الحارث ـ بن أسد ـ عما ينال به الإخلاص، فقال: ينال بثلاث خلال، والمخلص في بعضها أقوى من بعض، ودواعي الرياء عليه أقل وأضعف، وهو في بعضها أضعف إخلاصًا، والدواعي عليها أكبر وأقوى؛ فأعلاها التي يكون بها المخلص أقوى المخلصين، والخطرات عليه أقل وأضعف، تعظيم قدر الرب وإجلاله، واستصغار قدر المخلوقين، أنهم لا يستأهلون أن يتقرب إليهم بطاعة الرب، حتى يضعهم العبد بحيث وضعهم الله، من الحاجة، والفاقة، والمسكنة، إذ خلقهم المولى من ملك الضر والنفع، ولم يجعل لأحد من الخلق شركة في الأشياء، ولا يليق بهم ذلك؛ وذلك مستحيل: أن يملك العبد المحدث مع القديم الأول، مثقال ذرة، لا أصغر، ولا أكبر، ولا يملك ضرًا، ولا نفعًا، فإن أعظم قدر الرب بقلبه، وأنزل عباده بالمنزل الذي هم به انصرف قلبه عن طلب حمد المخلوقين، إذ عرف قدرهم، وانصرفت نفسه عنهم في طلب كل منفعة دنيا وآخره، وارتاح قلبه لطلب حمد الله، والتحبب إلى الله، إذ عرف قدره، وأن إليه حاجته في الدنيا والآخرة، وأنه لا ينال منفعة فيهما إلا منه، وأنه أهل أن يرجى، ويؤمل جوده وكرمه، فإن لم يقو على هذه الخلة، فالخلة الثانية: أن يذكر اطلاع الله على ضميره، وهو يريد بطاعته حمد عبد مملوك ضعيف، يتحبب إليه بالمقت إلى مولاه، ويتقرب إليه بالتباعد من سيده، ويحظى في عين عبد مملوك، ضعيف يبلى، ويموت بالسقوط من عين الإله الذي لا يموت؛ فإنه حينئذ يستكين عقله، ويخشع طبعه، من قبول كل خطرة تدعوه إلى إرادة المخلوقين بطاعة ربه، فإن لم يقو على هذه الخلة، فالخلة الثالثة: أن يرجع إلى نفسه بالرحمة لها، والإشفاق عليها من حبط عمله، في يوم فاقته وفقره، فيبقى خاسرًا قد حبط إحسانه، وخسر عمله، ثم لا يأمن أن يكون ذلك؛ لو أخلصه لرجحت حسناته على سيئاته قبحا لها، إذا أراد به العباد، فتبقى حسناته خفيفة، وسيئاته راجحة، فيؤمر به إلى عذاب الله، فيتلهف أن لا يكون أخلصه لربه، فنجا من عذاب الله، مع سؤال الله، والتوبيخ منه، والتعيير إذا أراد به العباد، ولها عنه تعالى، وتقرب إليهم بالتباعد منه.
* عن سفيان الثوري قال: دخلت على جعفر بن محمد ـ وعليه جبة خز دكناء، وكساء خز ايرجاني ـ فجعلت أنظر إليه معجبًا، فقال لي: يا ثوري، مالك تنظر إلينا؟ لعلك تعجب مما رأيت، قال: قلت: يا ابن رسول الله، ليس هذا من لباسك، ولا لباس آبائك، فقال لي: يا ثوري، كان ذلك زمانًا مقفرًا مقترًا، وكانوا يعملون على قدر إقفاره وإقتاره، وهذا زمان قد أقبل، كل شيء فيه عز إليه؛ ثم حسر عن ردن جبته، وإذا تحتها جبة صوف بيضاء، يقصر الذيل عن الذيل، والردن عن الردن، فقال لي: يا ثوري لبسنا هذا لله، وهذا لكم، فما كان لله أخفيناه، وما كان لكم أبديناه.
* وسئل ذو النون يومًا: فيم يجد العبد الخلاص؟ فقال: الخلاص في الإخلاص، فإذا أخلص تخلص، فقيل: فما علامة الإخلاص؟ قال: إذا لم يكن في عملك صحبة المخلوقين، ولا مخافة ذمهم؛ فأنت مخلص إن شاء الله تعالى.
* عن إبراهيم ـ النخعي ـ قال: كانوا يكرهون أن يسموا العبد: عبد الله، يخافون أن يكون ذلك عتقًا، وكانوا يكرهون أن يظهروا صالح ما يسرون، يقول الرجل: إني لأستحي أن أفعل كذا وكذا، وأصنع كذا وكذا، وكانوا يعطون الشيء، ويكرهون أن يقولوا: أعطيك احتسب به الخير، أو يقولون: حر لوجه الله؛ وكانوا يعطون، ويسكتون، ولا يقولون شيئًا.
* عن محمد بن خالد الضبي قال: لم يكن يدرى كيف يقرأ خيثمة القرآن، حتى مرض، فجاءته امرأته، فجلست بين يديه، فبكت، فقال لها: ما يبكيك؟ الموت لا بد منه، فقالت له المرأة: الرجال بعدك علي حرام، فقال لها خيثمة: ما كل هذا أردت منك، إنما كنت أخاف رجلًا واحدًا، وهو أخي محمد بن عبد الرحمن، وهو رجل فاسق، يتناول الشراب، فكرهت أن يشرب في بيتي الشراب، بعد إذ القرآن يتلى فيه في كل ثلاث.
* عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزاة، ونحن ستة نفر نعتقب، قال، ونقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وتساقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت: غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب على أرجلنا الخرق. قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم ذكر ذلك، فقال: ما كنت أصنع أن أذكر هذا الحديث، كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه، وقال: الله يجزي به.
* قال ذر لأبيه عمر بن ذر: ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد؟ فإذا تكلمت يا أبت، سمعت البكاء من هاهنا وهاهنا؛ فقال: يا بني، ليست النائحة المستأجرة، كالنائحة الثكلى.
* عن ميمون ـ بن مهران ـ قال: يا ابن آدم، خفف عن ظهرك، فإن ظهرك لا يطيق كل الذي تحمل عليه، من ظلم هذا، وأكل مال هذا، وشتم هذا، وكل هذا تحمله على ظهرك؟ فخفف عن ظهرك. وقال ميمون: إن أعمالكم قليلة، فاخلصوا هذا القليل.
* عن سفيان الثوري يقول: بلغني، أن العبد يعمل العمل سرًا، فلا يزال به الشيطان، حتى يغلبه، فيكتب في العلانية، ثم لا يزال الشيطان به، حتى يحب أن يحمد عليه، فينسخ من العلانية، فيثبت في الرياء.
* قال ذو النون: لم أر شيئًا أبعث للإخلاص من الوحدة، لأنه إذا خلا، لا ير غير الله، فإذا لم ير غير الله، لم تحر له إلا خشية الله؛ ومن أحب الخلوة، فقد تعلق بعمود الإخلاص، واستمسك بركن كبير من أركان الصدق.
* عن محمد ابن واسع قال: لقد أدركت رجالًا، كان الرجل، يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بل ما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته؛ ولقد أدركت رجالًا، يقوم أحدهم في الصف، فتسيل دموعه على خده، ولا يشعر به الذي إلى جانبه.
* عن شعبة يقول: ربما ذهبت مع أيوب في الحاجة، أريد أن أمشي معه، فلا يدعني، فيخرج، فيأخذ ههنا وههنا، لكي لا يفطن له. قال شعبة: وقال أيوب: ذكرت، وما أحب أن أذكر.
* عن الفضيل بن عياض قال: كان يقال: لا يزال العبد بخير، ما إذا قال: قال لله، وإذا عمل، عمل لله؛ سمعته يقول في قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7] ، قال: أخلصه وأصوبه، فإنه إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا، لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا، لم يقبل، حتى يكون خالصًا؛ والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة.
* عن سفيان ـ بن عيينة ـ قال: قال رجل من العلماء: اثنتان أنا أعالجهما منذ ثلاثين سنة: ترك الطمع فيما بيني وبين الناس، وإخلاص العمل لله عز وجل.
* عن كعب ـ الأحبار ـ قال: من تعبد لله ليلة، حيث لا يراه أحد يعرفه، خرج من ذنوبه، كما يخرج من ليلته.
* عن سفيان ـ الثوري ـ قال: كان يقال: من كانت سريرته أفضل من علانيته، فذلك الفضل، ومن كانت سريرته شرًا من علانيته، فذلك الجور.
* عن ابن المبارك قال: ما رأيت رجلًا ارتفع، مثل مالك بن أنس، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة.
* عن سفيان الثوري قال: إن أقبح الرغبة: أن تطلب الدنيا، بعمل الآخرة.
* عن سلمان ـ الفارسي ـ رضي الله عنه قال: لكل امرئ جواني وبراني، فمن يصلح جوانيه، يصلح الله برانيه، ومن يفسد جوانيه، يفسد الله برانيه.
-عن المنذر قال: قال محمد بن الحنفية: يا منذر، قلت: لبيك، قال: كل ما لا يبتغى به وجه الله تعالى يضمحل.
* عن حماد بن سلمة قال: من طلب الحديث لغير الله، مُكر به.
* قال رجل لمحمد بن النضر: أين أعبد الله؟ قال: أصلح سريرتك، واعبده حيث شئت.
* عن ذي النون قال: قال بعض الحكماء: ما خلص العبد لله، إلا أحب أن يكون في حب لا يعرف.
* قال علي رضي الله عنه: كونوا لقبول العلم، أشد اهتمامًا منكم بالعمل؛ فإنه لن يقل عمل مع التقوى، وكيف يقل عمل يتقبل.
* عن عبيد بن عبد الله بن عتبة قال: ما كان البر يعرف في عمر، ولا في ابنه، حتى يقولا، أو يفعلا.
* عن سهل بن عبد الله قال: لا يصح الإخلاص، إلا بترك سبعة: الزندقة، والشرك، والكفر، والنفاق، والبدعة، والرياء، والوعيد.
* عن أبي سعيد الخزار قال: كل باطن يخالف الظاهر، فهو باطل.
* عن أبي يزيد ـ البسطامي ـ قال: لو صفت لي تهليله، ما باليت بعدها بشيء.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)