* عن وهب بن منبه قال: لكل شيء علامة يعرف بها وتشهد له أو عليه، وإن للدين ثلاث علامات يعرف بهن، وهي: الإيمان، والعلم، والعمل؛ وللإيمان ثلاث علامات: الإيمان بالله، وملائكته، وبكتبه، ورسله؛ وللعمل ثلاث علامات: الصلاة، والزكاة، والصيام؛ وللعلم ثلاث علامات: العلم بالله، وبما يحب الله، وما يكره؛ وللمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويقول مالا يعلم، ويتعاطى مالا ينال؛ وللظالم ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، ومن دونه بالغلبة، ويظاهر الظلمة؛ وللمنافق ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان أحد عنده، ويحرص في كل أموره على المحمدة؛ وللحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب المحسود، ويتملق إذا شهد، ويشمت بالمصيبة؛ وللمسرف ثلاث علامات: يشتري بما ليس له، ويأكل بما ليس له، ويلبس ما ليس له؛ وللكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط، ويفرط حتى يضيع، ويضيع حتى يأتم؛ وللغافل ثلاث علامات: السهو، واللهو، والنسيان.
* عن عمرو بن عثمان الرقي قال: كنت عند سفيان بن عيينة، فجاءه رجل، فقال: يا أبا محمد، ما تقول: الإيمان يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله، وينقص حتى لا يبقى معك منه شيء، وعقد بثلاثة أصابع، وحلق بالإبهام والسبابة، قال: فإن قومًا يقولون: الإيمان كلام، قال: قد كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، بعث الله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس، أن يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، حقنوا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بأن يقيموا الصلاة، فأمرهم ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما علم الله تعالى صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم أن يهاجروا إلى المدينة، فأمرهم ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا الصلاة، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم أن يرجعوا إلى مكة فيقاتلوا آباءهم وأبناءهم، حتى يقروا بمثل إقرارهم ويشهدوا بمثل شهادتهم، حتى أن الرجل ليجئ بالرأس، فيقول: يا رسول الله، هذا رأس الشيخ الضال، فأمرهم ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا الصلاة، ولا الهجرة، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمرهم أن يطوفوا بالبيت تعبدا ويحلقوا رؤسهم تذللا، ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا الصلاة، ولا الهجرة، ولا الرجوع إلى مكة، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم أن يؤتوا الزكاة قليلها وكثيرها، فأمرهم ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، ولا الصلاة، ولا الهجرة، ولا الرجوع إلى مكة، ولا طوافهم بالبيت، ولا حلقهم رؤسهم، فلما علم الله ما تتابع عليهم من الفرائض ومثولهم لها، قال له: قل لهم: اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينًا؛ فمن ترك شيئًا من ذلك كسلًا أو مجونا أدبناه عليه، وكان عندنا ناقص الإيمان، ومن تركها عامدًا كان بها كافرًا، هذه السنة، أبلغ عني من سألك من المسلمين.
* عن عون بن عبدالله قال: إن الحلم والحياء والعي ـ عي اللسان لا عي القلب ـ والفقه من الإيمان، وهن مما ينقصن من الدنيا ويزدن في الآخرة، وما يزدن في الآخرة أكثر مما ينقصن من الدنيا، ألا وإن البذاء والجفاء والبيان من النفاق، وهن مما يزدن في الدنيا وينقصن من الآخرة، وما ينقصن من الآخرة أكثر مما يزدن في الدنيا.
* عن الربيع بن سليمان قال: سأل رجل من أهل بلخ الشافعي عن الإيمان، فقال للرجل: فما تقول أنت فيه؟ قال: أقول: إن الإيمان قول، قال: ومن أين قلت؟ قال: من قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 277] ، فصار الواو فصلا بين الإيمان والعمل، فالإيمان قول، والأعمال شرائعه؛ فقال الشافعي: وعندك الواو فصل؟ قال، نعم، قال: فإذا كنت تعبد إلهين، إلها في المشرق وإلها في المغرب، لأن الله تعالى يقول: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن:17] ، فغضب الرجل، وقال: سبحان الله، أجعلتني وثنيًا؟ فقال الشافعي: بل أنت جعلت نفسك كذلك، قال: كيف؟ قال: بزعمك أن الواو فصل، فقال الرجل: فإني أستغفر الله مما قلت، بل لا أعبد إلا ربًا واحدًا، ولا أقول بعد اليوم: إن الواو فصل، بل أقول: إن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، قال الربيع: فأنفق على باب الشافعي مالًا عظيمًا، وجمع كتب الشافعي، وخرج من مصر سنيًا.
* عن أبي بكر المزني قال: لو انتهيت إلى المسجد يوم الجمعة وهو ملآن يغص بالرجال، فقال لي قائل: أي هؤلاء شر؟ لقلت لقائلي: أيهم أغش لجماعتهم؟ فإذا قال: هذا، قلت: هو شرهم، وما كنت لأشهد على خيرهم أنه مؤمن مستكمل الإيمان، إذًا لشهدت أنه من أهل الجنة، وما كنت لأشهد على شرهم أنه منافق برئ من الإيمان، إذًا لشهدت أنه من أهل النار، ولكني أخشى على محسنهم، وأرجو لمسيئهم، فما ظنكم بمسيئهم إذا خشيت على محسنهم، وما ظنكم بمحسنهم إذا رجوت لمسيئهم.
* عن مكحول قال: أربع من كن فيه كن له، وثلاث من كن فيه كن عليه، فأما الأربع اللاتي له: فالشكر، والإيمان، والدعاء، والاستغفار؛ قال الله تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147] ، وقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [لأنفال: 33] ، وقال: {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77] ، وأما الثلاث اللاتي عليه: فالمكر، والبغي، والنكث، قال الله تعالى: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [الفتح: 10] ، وقال: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] ، وقال: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [يونس: 23] .
* عن وهب بن منبه: أنه كان يقول: الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس حرون، إن فتر قائدها: صدت عن الطريق ولم تستقم لسائقها، وإن فتر سائقها: حرنت ولم تتبع قائدها، فإذا اجتمعا: استقامت طوعًا أو كرهًا، ولا تستطيع أبدى إلا بالطوع والكره، إن كان كلما كره الإنسان شيئًا من دينه تركه، أوشك أن لا يبقى معه من دينه شئ.
* عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: المؤمن بين أربع: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل؛ فهو يتقلب في خمسة من النور، وهو الذي يقول الله: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور: 35] ، كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله في نور، ومخرجه من نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة؛ والكافر يتقلب في خمسة من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه في ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة.
* يقول عامر بن عبد قيس: رأيت نفرًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصحبتهم، فحدثونا: أن أصفى الناس إيمانًا يوم القيامة: أشدهم محاسبة لنفسه في الدنيا، وأن أشد الناس فرحًا في الدنيا: أشدهم حزنا يوم القيامة؛ وإن أكثر الناس ضحكًا في الدنيا: أكثرهم بكاء يوم القيامة؛ وحدثونا أن الله تعالى فرض فرائض، وسن سننًا، وحد حدودًا، فمن عمل بفرائض الله وسننه واجتنب حدوده، دخل الجنة بغير نجاسة؛ ومن عمل بفرائض الله وسننه وركب حدوده، ثم تاب، استقبل الشدائد والزلازل والأهوال، ثم يدخل الجنة؛ ومن عمل بفرائض الله وسننه وركب حدوده، ثم مات مصرًا على ذلك، لقي الله مسلمًا، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
* قال عبد الله بن مسعود: لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحل بذروته، ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى، والتواضع أحب إليه من الشرف، وحتى يكون حامده وذامه عنده سواء، قال: ففسرها أصحاب عبد الله، قالوا: حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام، والتواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله، وحتى يكون حامده وذامه عنده في الحق سواء.
* قال عبد الله بن مسعود: والله الذي لا إله غيره، ما يضر عبدًا يصبح على الإسلام ويمسي عليه ما أصابه في الدنيا.
* عن عبيد بن عمير قال: إن الدنيا هينة على الله تعالى: أن يعطيها من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب.
* وعنه قال: ليس الإيمان بالتمني، ولكن قول وعمل.
* كان وهب ابن منبه يقول: المؤمن يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو لينعم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)