فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 392

* عن سفيان الثوري قال: كان طاووس يجلس في بيته، فقيل له في ذلك؛ فقال: حيف الأئمة، وفساد الناس.

* عن مكحول قال: إن كان الفضل في الجماعة، فإن السلامة في العزلة.

* عن عبد الله - بن أحمد بن حنبل - قال: كان أبي أصبر الناس على الوحدة، لم يره أحد: إلا في مسجد، أو حضور جنازة، أو عيادة مريض؛ وكان يكره المشي في الأسواق.

* عن الفضيل بن عياض قال: طوبى: لمن استوحش من الناس، وكان الله أنيسه، وبكى على خطيئته.

* عن علي بن بكار قال: صحبت إبراهيم بن أدهم، وكثيرًا ما كنت أسمعه يقول: يا أخي، اتخذ الله صاحبًا، وذر الناس جانبًا.

* عن سهل بن هاشم قال: قال لنا إبراهيم بن أدهم: أقلوا من الإخوان والأخلاء.

* عن ذي النون قال: لم أر شيئًا أبعث للإخلاص من الوحدة، لأنه إذا خلا: لم ير غير الله، فإذا لم ير غير الله: لم تجد له إلا خشية الله؛ ومن أحب الخلوة: فقد تعلق بعمود الإخلاص، واستمسك بركن كبير من أركان الصدق.

* عن يوسف بن أسباط قال: كنت مع سفيان الثوري في المسجد الحرام؛ فقال: والله الذي لا إله إلا هو ورب هذه الكعبة: لقد حلت العزلة.

* عن سفيان بن عيينة قال: قال لي بشر بن منصور الزاهد: يا سفيان، أقلل من معرفة الناس، لعله أن يكون في القيامة غدًا أقل لفضيحتك، إذا نودي عليك بسوء أعمالك.

* عن سفيان الثوري قال: ما رأينا للإنسان خيرًا له، من أن يدخل جحرًا.

* عن الحسن رشيد قال: يا حسن، لا تعرَّفنَّ إلى من لا يعرفك، وأنكر معرفة من يعرفك.

* عن سفيان الثوري، أنه قال لرجل: أخبرني، أياتيك ما تكره ممن تعرف منهم، أو لا تعرف؟ قال: بلى، ممن أعرف؛ قال: فما قل من هؤلاء فهو خير.

* عن بكر بن محمد العابد قال: قال لي داود الطائي: فر من الناس كفرارك من الأسد.

* عن داود الطائي: أنه أراد أن يجرب نفسه، هل تقوى على العزلة؟ فقعد في مجلس أبي حنيفة سنة، فلم يتكلم؛ فاعتزل الناس.

* عن سعيد قال: كان داود الطائي شديد الانقباض، يعالج نفسه بالصمت، وكان قبل ذلك كثير الكلام، وكانت معالجته نفسه في ترك الكلام؛ فأخرجته تلك المعالجة إلى التفكر، فبالتفكر ملك نفسه؛ ولقد جئته يومًا في وقت الصلاة، فانتظرته حتى خرج، فمشيت معه، والمسجد منه قريب، فسلك به غير طريقه؛ فقلت: أين تريد؟ فسلك بي سككًا خالية، حتى خرج على المسجد؛ فقلت: الطريق ثمة أقرب عليك؛ فقال: يا سعيد، فر من الناس فرارك من السبع، إنه ما خالط الناس أحد: إلا نسي العهد.

* عن الربيع الأعرج قال: أتيت داود الطائي؛ وكان داود لا يخرج من منزله، حتى يقول المؤذن: قامت الصلاة؛ فيخرج فيصلي، فإذا سلم الإمام: أخذ نعله، ودخل منزله؛ فلما طال ذلك علي، أدركته يومًا، فقلت له: يا أبا سليمان، على رسلك؛ فوقف لي، فقلت: يا أبا سليمان، أوصني؟ قال: اتق الله، وإن كان لك والدان فبرهما؛ ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة: ويحك، صم الدنيا، واجعل الفطر موتك؛ واجتنب الناس، غير تارك لجماعتهم.

* عن محمد بن الحسن قال: أتيت داود الطائي لأسلم عليه، فأذن لي، فقعدت على باب الحجرة؛ فقلت: أنت وحدك ههنا رحمك الله؟ قال: رحمك الله، وهل الأنس اليوم إلا في الوحدة والانفراد؛ ما يتجمل لك، أو متجمل له، ففي أي ذلك خير؟

* عن المزني قال: دخلت على الشافعي ـ وقد لزم الوحدة ـ فقلت: يا أبا عبد الله، لو خرجت إلى الناس، فتبث فيهم علمك، لانتفعوا؛ فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: تأمرني بأنس لبقاء عزك بوحدتك، ولا تأنس إلى من تخلق عنده بكثرة مجالستك؛ فإن مؤونة الصبر علي، أحسن من مؤونة البذل على الطاعة؛ ولا تسع في حظ لك في حاجة، لا تحب ستر يقيك من الشنعة.

* عن الرياشي قال: قيل للرشيد: إن حاتمًا الأصم قد اعتزل الناس في قبة له، منذ ثلاثين سنة، لا يحتاج إلى الناس في شيء من أمور الدنيا، ولا يكلمهم، إلا عند مسألة لا بد له من الجواب، لعله لبس به، قد ورثته إياه الوحدة؛ وقيل: إنه عاقل، فقال: سأمتحنه، فندب له أربعة: محمد بن الحسن، والكسائي، وعمرو بن بحر، ورجلًا آخر ـ أحسبه الأصمعي ـ؛ فجاؤوا، حتى وقفوا تحت قبته، ونادى أحدهم: يا حاتم، يا حاتم، فلم يجبهم؛ حتى قيل: بحق معبودك إلا أجبتنا؛ فأخرج رأسه، وقال: يا أهل الحيرة، هذه يمين مؤمن لكافر، وكافر لمؤمن لم خصصتموني بالمعبود دونكم؟ ولكن الحق جرى على ألسنتكم، لأنكم اشتغلتم بعبادة الرشيد عن طاعة الله؛ فقال: أحدهم ما علمك بأنا خدام الرشيد؟ قال: من لم يرض من الدنيا إلا بمثل حالكم، لا يزل عن مطلبه إلى قصد من لا يخبره، ولا يد علي من الرشيد وأشباهه؛ فقال له عمرو بن بحر: لم اعتزلت الناس، وفيهم من تعلم، وفيهم من يقدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال: صدقت، ولكن بينهم سلاطين الجور، يفتنونا عن ديننا، فالتخلي منهم أولى؛ قال: فعلام وطنت نفسك في العزلة، وثبت عليه أدرك؟ قال: علمت أن القليل من الرزق يكفيني، فأقللت الحركة في طلبه، وأن فرضي لا يقبل إلا مني، فأنا مشغول بأدائه، وأن أجلي لا بد يأتيني، فأنا منتظر له، وأنا لا أغيب عن عين من خلقني، فأستحي منه أن يراني وأنا مشغول بغير ما وجب له محمد؛ ثم رد باب القبة، وحلف أن لا يكلمهم، فرجعوا إلى الرشيد، وقد حكموا أنه أعقل أهل زمانه.

* عن محمد بن أسلم قال: مالي ولهذا الخلق؟ كنت في صلب أبي وحدي، ثم صرت في بطن أمي وحدي، ثم دخلت الدنيا وحدي، ثم تقبض روحي وحدي، وأدخل في قبري وحدي، ويأتيني منكر ونكير، فيسألاني في قبري وحدي؛ فإن صرت إلى خير صرت وحدي، وإن صرت إلى شر كنت وحدي، ثم أوقف بين يدي الله وحدي، ثم يوضع عملي وذنوبي في الميزان وحدي، وإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي، وإن بعثت إلى النار بعثت وحدي؛ فمالي وللناس.

* عن إبراهيم بن بشار قال: أوصانا إبراهيم بن أدهم: أهربوا من الناس، كهربكم من السبع الضاري؛ ولا تخلفوا عن الجمعة والجماعة.

* عن وهيب بن الورد قال: جاء رجل إلى وهب بن منبه، فقال: إن الناس قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وقد حدثت نفسي: أن لا أخالطهم؛ فقال: لا تفعل، فإنه لا بد للناس منك، ولا بد لك من الناس؛ لهم إليك حوايج، ولك إليهم حوايج؛ ولكن: كن فيهم أصم، سميعًا، وأعمى، بصيرًا، وسكوتًا، نطوقًا.

* عن أبي جعفر الحافظ ـ وكان من العباد ـ قال: دخلت على العمري في باديته، فقلت له: لم نأيت عن الناس؟ فقال: ما استطعت أن تنأى عن الناس فافعل؛ قلت: احتمل؟ قال: احتمل بالبلغة، وانظر لمن تعمل.

* عن عبد الله بن خبيق قال: قال لي علي بن بكار سنة ست ومائتين: أين تسكن؟ قلت: بأنطاكية، قال: إلزم بيتك، فإذا كانت لك حاجة، فاقصد قضاء حاجتك؛ فما دمت تخرج من بيتك إلى سوقك، لا يلقاك من يلظم عينك، فليس لحالك بأس.

* عن زياد بن جرير قال: وددت أني في دين من حديد، معي فيه ما يصلحني، لا أكلم الناس، ولا يكلموني، حتى ألقى الله.

* كان وهب بن منبه يقول: المؤمن يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو لينعم.

* قال وهيب بن الورد: قال حكيم من الحكماء: العبادة ـ أو قال: الحكمة ـ عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت، وواحدة في العزلة؛ فأردت نفسي من الصمت على شيء، فلم أقدر عليه؛ فصرت إلى العزلة، فحصلت لي التسعة.

* قال رجل لعبد الله: أوصني يا أبا عبد الرحمن؛ قال: ليسعك بيتك، واكفف لسانك، وابك على ذكر خطيئتك.

* وقال عبد الواحد بن زيد لراهب: يا راهب، لقد تعجلت الوحدة؛ فقال الراهب: يا فتى، لو ذقت حلاوة الوحدة، لاستوحشت إليها من نفسك؛ الوحدة رأس العبادة، ما أنستها الفكرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت