فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 392

* كان عامر بن عبد الله، يقول: في الدنيا: الغموم والأحزان، وفي الآخرة: النار والحساب؛ فأين الراحة والفرح؟ إلهي، خلقتني، ولم تؤامرني في خلقي، وأسكنتني بلايا الدنيا، ثم قلت لي: إستمسك؛ فكيف أستمسك إن لم تمسكني؟ إلهي، إنك لتعلم: أن لو كانت لي الدنيا بحذافيرها، ثم سألتنيها، لجعلتها لك؛ فهب لي نفسي.

* عن موهب بن عبد الله قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز، كتب إليه الحسن البصري كتابًا، بدأ فيه بنفسه: أما بعد، فإن الدنيا دار مخيفة، إنما أهبط آدم من الجنة إليها عقوبة؛ واعلم، أن صرعتها ليست كالصرعة، من أكرمها يهن، ولها في كل حين قتيل؛ فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوى جرحه، يصبر على شدة الدواء، خيفة طول البلاء؛ والسلام.

* عن سعيد بن المسيب قال: إن الدنيا نذلة، وهي إلى كل نذل أميل وأنذل منها: من أخذها بغير حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سبيلها.

* عن عمر أبو حفص الجزري قال: كتب أبو الأبيض ـ وكان عابدًا ـ إلى بعض إخوانه: أما بعد، فإنك لم تكلف من الدنيا إلا نفسا واحدة؛ فإن أنت أصلحتها، لم يضرك إفساد من فسد بصلاحها؛ وإن أنت أفسدتها، لم ينفعك صلاح من صلح بفسادها؛ واعلم، أنك لن تسلم من الدنيا، حتى لا تبالي من أكلها، من أحمر، أو أسود.

* عن جابر ـ يعني: الجعفي ـ قال: قال لي محمد بن علي: يا جابر، إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب؛ قلت: ولم حزنك، وشغل قلبك؟ قال: يا جابر، إنه من دخل، وقلبه صافي خالص، دين الله شغله عما سواه؛ يا جابر، ما الدنيا، وما عسى أن تكون؟ هل هو إلا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة أصبتها؛ يا جابر: إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم، ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة، ففازوا بثواب الأبرار؛ إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة؛ إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله، قطعوا محبتهم بمحبة الله عز وجل؛ ونظروا إلى الله عز وجل وإلى محبته بقلوبهم، وتوحشوا من الدنيا لطاعة مليكهم، وعلموا أن ذلك منظور إليهم من شأنهم؛ فأنزل الدنيا بمنزل نزلت به، وارتحلت عنه؛ أو كمال أصبته في منامك، فاستيقظت، وليس معك منه شيء؛ واحفظ الله تعالى ما، استرعاك من دينه وحكمته.

* عن خالد بن عمير، وشويس، قالا: خطبنا عتبة ابن غزوان رضي الله تعالى عنه؛ فقال: ألا، إن الدنيا قد أذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء؛ وإنكم في دار تنتقلون عنها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم؛ ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما لنا طعام نأكله إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا؛ الحديث.

* عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: لا يصيب عبد شيئًا من الدنيا، إلا نقص درجاته عند الله عز وجل؛ وإن كان عليه كريما.

* وقيل له: توفي زيد بن حارثة الأنصاري، قال: رحمه الله، قيل له: يا أبا عبد الرحمن، ترك مائة ألف، قال: لكن هي لم تتركه.

* وعنه: أنه سمع رجلًا يقول: أين الزاهدون في الدنيا، الراغبون في الآخرة؟ فأراه قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر؛ وقال: عن هؤلاء تسأل؟

* خطب عمر بن عبد العزيز فقال: إن الدنيا ليست بدار قرار، كم دار كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن؛ فكم عامر موثق، عما قليل مخرب؟ وكم مقيم مغتبط، عما قليل يظعن؟ فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة، بأحسن ما يحضركم من النقلة، وتزدوا، فإن خير الزاد التقوى؛ إنما الدنيا كفئ ظلال قلص فذهب، بينا ابن آدم في الدنيا ينافس فيها، وبها قرير العين، إذ دعاه الله بقدره، ورماه بيوم حتفه، فسلبه آثاره ودنياه، وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه؛ إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر، إنها تسر قليلًا، وتجر حزنًا طويلًا.

* عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه، قال: دخلت على أبي بكر رضي الله تعالى عنه في مرضه الذي توفي فيه، فسلمت عليه؛ فقال: رأيت الدنيا قد أقبلت ولما تقبل، وهي جائية، وستتخذون ستور الحرير، ونضائد الديباج، وتألمون ضجائع الصوف الأزرى، كأن أحدكم على حسك السعدان؛ ووالله، لئن يقدم أحدكم فيضرب عنقه في غير حد، خير له من أن يسبح في غمرة الدنيا.

* عن شميط بن عجلان قال: رجلان معذبان في الدنيا: رجل أعطي الدنيا، فهو متعوب فيها، ومشغول بها؛ وفقير زويت عنه الدنيا، فنفسه تتقطع عليها حسرات.

* عن الحسن - البصري - قال: فضح الموت الدنيا، فلم يترك فيها لذي لب فرحًا.

* عن شميط بن عجلان قال: كل يوم ينقص من أجلك وأنت لا تحزن، وكل يوم تستوفى من رزقك؛ قد أعطيت ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك؛ لا بقليل تقنع، ولا من كثير تشبع؛ فكيف يستبين للعالم جهل من قد عجز عن شكر ما هو فيه، وهو مغتر في طلب الزيادة؟ أم كيف يعمل للآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته، ولا تنقضي فيها رغبته؟ فالعجب كل العجب: لمصدق بدار الحق، وهو يسعى لدار الغرور.

* عن يزيد بن ميسرة قال: كان أشياخنا يسمون الدنيا: الدنية؛ ولو وجدوا لها اسما شرًا منه، لسموها؛ كانوا إذا أقبلت إلى أحدهم دنيا، قالوا: إليك إليك عنا يا خنزيرة، لا حاجة لنا بك، إنا نعرف إلهنا.

* عن مجاهد قال: كنت أمشي مع ابن عمر، فمر على خربة؛ فقال: قل يا خربة: ما فعل أهلك؟ فقلت: يا خربة، ما فعل أهلك؟ فقال ابن عمر: ذهبوا، وبقيت أعمالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت