فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 392

* عن جرير بن حازم قال: سمعت محمد بن سيرين، وقال لي: رأيت ذلك الرجل الأسود؟ ثم قال: أستغفر الله؛ ما أرانا إلا قد اغتبناه.

* عن ضمرة قال: قال السرى بن يحيى ـ أو غيره ـ لابن سيرين: إني قد اغتبتك، فاجعلني في حل؛ قال: إني أكره أن أحل ما حرم الله تعالى.

* عن الحارث العكلي قال: كنت آخذًا بيد إبراهيم، فذكرت رجلًا، فتنقصته؛ فلما دنونا من باب المسجد، انتزع يده من يدي، وقال: إذهب فتوضأ؛ قد كان يعدون هذا هجرًا.

* عن ضمرة الشيباني قال: كان عبد الله بن الديلمي من أبصر الناس لإخوانه؛ فذكر ابن محيريز في مجلس هو فيه، فقال رجل: كان بخيلًا؛ فغضب ابن الديلمي، وقال: كان جوادًا، حيث يحب الله، بخيلًا، حيث تحبون.

* عن عبد الرحمن ابن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لولا أني أكره أن يعصى الله: لتمنيت أن لا يبقى في هذا المصر أحد، إلا وقع في واغتابني؛ وأي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة، يعملها، ولم يعلم بها؟.

* عن عبد الله بن محمد بن زياد بن هانئ قال: كنت عند أحمد بن حنبل، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، قد اغتبتك، فاجعلني في حل؛ قال: أنت في حل إن لم تعد؛ فقلت له: أتجعله في حل يا أبا عبد الله، وقد اغتابك؟ قال: ألم ترني اشترطت عليه.

* عن موسى بن إبراهيم قال: حضرت معروفًا الكرخي، وعنده رجل يذكر رجلًا، وجعل يغتابه؛ وجعل معروف يقول له: أذكر القطن إذا وضعوه علي عينيك.

* عن محمد بن المثنى قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: كان رجل يجالس إبراهيم بن أدهم، فاغتاب عنده رجلًا؛ فقال: لا تفعل؛ ونهاه، فعاد؛ فقال له: اذهب ـ وصاح به ـ، ثم قال: عجبت لنا، كيف نمطر؟ ثم قال بشر: وأعجب؛ أما أنه إنما احتبس المطر لما تعلمون.

* عن سفيان بن عيينة قال: اسمعوا ما يقال لكم، فإنه أنفع لكم من الحديث: لو أن رجلًا أصاب من مال رجل شيئًا، فتورع عنه بعد موته، فجاء به إلى ورثته، لكنا نرى ذلك كفارة له؛ ولو أن رجلًا أصاب من عرض رجل شيئًا، فتورع عنه بعد موته، فجاء إلى ورثته، وإلى جميع أهل الأرض، فجعلوه في حل؛ ما كان في حل، فعرض المؤمن أشد من ماله؛ افقهوا ما يقال لكم.

* قال أبو عبد الله الأنطاكي: أشر مكنة الرجل البذاء ـ وهو: الوقيعة منه، وهي الغيبة ـ؛ وذلك أنه لا ينال بذلك منفعة، في الدنيا ولا في الآخرة، بل يبغضه عليه المتقون، ويهجره الغافلون، وتجتنبه الملائكة، وتفرح به الشياطين؛ ويقال: إنها تفطر الصائم، وتنقض الوضوء، وتحبط الأعمال، وتوجب المقت؛ والغيبة والنميمة قرينتان، مخرجهما من طريق البغي، والنمام قاتل، والمغتاب آكل الميتة، والباغي مستكبر؛ ثلاثتهم واحد، وواحدهم ثلاثة؛ فإذا عود نفسه ذلك: رفعه إلى درجة البهتان، فيصير: مغتابًا، مباهتًا، كذابًا؛ فإذا ثبت فيه الكذب والبهتان: صار مجانبًا للإيمان.

* عن أحمد بن عاصم قال: ولا يكسب بالغيبة تعجيل ثناء، ولا يبلغ به رئاسة، ولا يصل به إلى مزية في دنيا، من مطعم، أو ملبس، ولا مال؛ وهو عند العقلاء منقوص، وعند العامة سفيه، وعند الأمناء خائن، وعند الجهال مذموم؛ ولا يحتمله في نقص، إلا من كان في مثل حاله، وما وجدت في الشر نوعا أكثر منه ضررًا، في العاجل والآجل، ولا أقل نفعًا، ولا أظهر جهلًا، ولا أعظم وزرًا من مكتسبيه؛ يبغضه عليه المتقون، ويحذره الفاسقون، ويهجره العاقلون.

والغيبة: اسم لثلاثة معان، ورابعها كبيرة، تنبت عيب غيرك في القلب، فتكره أن تتكلم به خوف عادية؛ والمعنى الثاني: أن تذكر باللسان، وتكره أن تذكر اسم الرجل بعينه؛ والثالث: معناه في القلب، والعفو وذكر الغيبة باللسان؛ فأما إظهارك اسم الرجل فالغيبة المصرحة التي لم يبق صاحبها على نفسه، ولا على جلسائه؛ فإذا صح ذلك في العبد، رقي منه إلى درحة البهتان، فذكر فيه ما ليس فيه، فصار مباهتًا، مغتابًا، نمامًا، كاذبًا، باغيًا، لم يمتنع من خصلة من هذه الخصال التي ذكرتها؛ وذلك كله: مجانب لليقين، مثبت للشك.

واعلم: أن مخرج الغيبة: من تزكية النفس، ومن شدة رضى صاحبها عن نفسه؛ وإنما اغتبته بما لم تر فيك مثله أو شكله، ولم يغتب بشيء، إلا ما احتملت لنفسك من العيب أكثر مما اغتبت، إن كنت جاهلًا بكثرة عيوب نفسك، أو كنت عارفًا بها، وإنما يقبلها منك من هو مثلك؛ ولو علمت: أن فيك من النقصان أكثر مما تريد أن تنقص به، لحجزك ذلك عن غيبة غيرك، ولاستحييت أن تغتاب غيرك بما فيك من العيوب؛ إذا عرفت وأنت مصر عليها، فجرمك أعظم من جرم غيرك، وإنما يساعدك على القبول منك: من هو أعمى قلبًا منك بمعرفة عيوب نفسه، ولولا ذلك، لما اجترأت على ذكر عيب غيرك عنده.

فاحذر الغيبة، كما تحذر عظيم البلاء؛ فإن الغيبة إذا ثبتت في القلب، وأذن صاحبها في احتمالها بالرضى لسكونها، حتى توسع لأخواتها معها في المسكن؛ وأخواتها: النميمة، والبغي، وسوء الظن، والبهتان العظيم، والكذب؛ فاحذرها، فإنها مزرية في الدنيا بصاحبها، ومخزية له في الآخرة، لأن الغيبة حرام في التنزيل.

فمن صحت فيه الغيبة: صح فيه الكذب، والبهتان؛ وذلك لأنهما مجانبان للإيمان، لأن الله تعالى حرم من المؤمن على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم: ماله، ودمه، وأن يظن به ظن السوء؛ وإنما الظن في القلب، دون الإظهار، فكيف بمن يظهر ما في القلب باللسان ما يعارض به عيب غيره، بما يعرف من عيوب نفسه؛ فهو رضى منه بعيوبها، فإن همت النفس بعيوب غيرها: فردها إلى عيوب نفسك، لأنك إن لقيت عالمًا ناصحًا، فاستشرته في أمر في أي المواضع أنزل وأسكن، قال: اذهب، واتق الله حيث ما كنت، وأخمل أمرك؛ قال: فجعلت أستزيده، فلا يزيدني.

* عن بشر بن الحارث، وقد سئل عن من يغتاب الناس: يكون عدلًا؟ قال: لا، إذا كان مشهورًا بذلك، فهو الوضيع.

* كان ميمون بن سياه: لا يغتاب، ولا يدع أحدًا يغتاب عنده؛ ينهاه، فإن انتهى، وإلا قام عنه.

* عن سفيان الثوري قال: أقل معرفة الناس، تقل غيبتك.

* عن يحيى بن أبي كثير قال: يصوم الرجل عن الحلال الطيب، ويفطر على الحرام؛ الخبيث: لحم أخيه ـ يعني: يغتابه ـ.

* عن الفضيل بن عياض قال: إذا ظهرت الغيبة: ارتفعت الأخوة في الله؛ إنما مثلكم في ذلك الزمان: مثل شيء مطلي بالذهب والفضة، داخله خشب، وخارجه حسن.

* عن سفيان بن عيينة قال: الغيبة أشد من الدين، الدين: يقضى، والغيبة: لا تقضى.

* قال شعبة: لا يزال المرء في فسحة من دينه، مالم يطلب الإسناد.

* وقال أيضًا: كان الرجل يموت ولم يطلب شيئًا من هذا، فأغبطه، يعني الحديث.

* وكان شعبة يأتي عمران بن جدير، فيقول: تعال يا عمران نغتاب في الله ساعة، نذكر مساوئ أصحاب الحديث.

* عن زائدة بن قدامة قال: قلت لمنصور بن المعتمر اليوم الذي أصوم فيه أقع في الأمراء، قال: لا، قلت: فأقع فيمن يتناول أبا بكر وعمر؟ قال: نعم.

* قال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: من صحبني منكم فليصحبني بخمس خصال: يدلني من العدل إلى ما لا أهتدي له، ويكون لي على الخير عونا، ويبلغني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ولا يغتاب عندي أحدًا، ويؤدي الأمانة التي حملها مني ومن الناس، فإذا كان كذلك فحيهلًا به، وإلا فهو في حرج من صحبتي والدخول علي.

* عن الشافعي قال: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ قلت: تريد المكابرة أو الإنصاف؟ فقال: بل الإنصاف، قلت: فما الحجة عندكم؟ قال: الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، قال: قلت: أنشدك بالله أصاحبنا أعلم بكتاب الله، أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قلت: فصاحبكم أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم صاحبنا؟ قال: فقال: صاحبكم، قلت: فبقي القياس، قال: لا، قلت: فنحن ندعي القياس أكثر مما تدعون أنتم، وإنما القياس على الأصول يعرف القياس، قال: ويريد بصاحبه مالك بن أنس رحمه الله.

* عن عاصم بن الأحول قال: جلست إلى قتادة، فذكر عمرو بن عبيد، فوقع فيه ونال منه؛ فقلت له: أبا الخطاب، ألا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض؟ فقال: يا أبا أحيول، ألا تدري أن الرجل إذا ابتدع بدعة، فينبغي لها أن تذكر، حتى يحذر؟.

* قيل للربيع بن خثيم حين أصابه الفالج: لو تداويت؛ فقال: لقد علمت أن الدواء حق، ولكن ذكرت عادًا، وثمودًا، وأصحاب الرس، وقرونًا بين ذلك كثيرًا، كانت فيهم الأوجاع، وكانت لهم الأطباء، فلا المداوى بقي، ولا المداوي؛ فقيل له: ألا تذكر الناس؟ قال: ما أنا عن نفسي براض، فاتفرغ من ذمها إلى ذم الناس؛ إن الناس خافوا الله تعالى في ذنوب الناس، وأمنوا على ذنوبهم؛ وقيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحنا مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا.

* عن وهب بن منبه قال: من عرف بالكذب: لم يجز صدقه، ومن عرف بالصدق: أئتمن على حديثه، ومن أكثر الغيبة والبغضاء: لم يوثق منه بالنصيحة، ومن عرف بالفجور والخديعة: لم يوثق إليه في المحبة، ومن انتحل فوق قدره: جحد قدره، ولا يحسن فيه ما يقبح في غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت