فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 392

* عن قتادة قال: سمعت خليدًا العصري في مسجد الجامع يقول: ألا، إن كل حبيب يحب أن يلقى حبيبه؛ ألا: فأحبوا ربكم، وسيروا إليه سيرًا جميلًا.

* عن مالك بن دينار قال: إن القلب المحب لله: يحب النصب لله عز وجل.

* قال أبو حازم - سلمة بن دينار: شيئان، إذا عملت بهما: أصبت بهما خير الدنيا والآخرة، ولا أطول عليك؛ قيل: وما هما؟ قال: تحمل ما تكره إذا أحبه الله، وتكره ما تحب إذا كرهه الله عز وجل.

* قال أبو حازم: خصلتان، من تكفل بهما، تكفلت له بالجنة: تركك ما تحب، واحتمالك ما تكره: إذا أحبه الله عز وجل.

* عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: أن عبد الله بن أبي زكريا كان يقول: لو خيرت بين: أن أعمر مائة سنة من ذي قبل، في طاعة الله؛ أو أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه: لاخترت أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه: تشوقًا إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الصالحين من عباده.

* وكان يقول: والله، لو أن نهركم هذا ـ يعني: بردًا ـ سال ذهبًا وفضة؛ من شاء خرج إليه، فأخذه؛ ما خرجت إليه؛ ولو أنه قيل: من مس هذا العود، مات؛ لسرني أن أقوم إليه، شوقًا إلى الله، وإلى رسوله.

* عن محمد بن زياد قال: اجتمع رجال من الأخيار، أو قال: العلماء والعباد، وذكروا الموت؛ فقال بعضهم: لولا أنه أتاني آت، أو ملك الموت، فقال: أيكم سبق إلى هذا العمود، فوضع عليه يده مات؛ لرجوت أن لا يسبقني إليه أحد منكم: شوقًا إلى لقاء الله.

* عن أحمد بن غسان عن أحمد الهجيمي قال: قيل لعبد الواحد بن زيد: يا أبا عبيدة، ما تقول في رجلين: أحدهما أحب البقاء ليميل، والآخر أحب الخروج شوقًا؛ أيهما أفضل؟ قال: الذي أحب الخروج أفضل؛ قال: فقيل له: أثم منزلة ثالثة؟ فقال: لا أعرفها؛ قيل له: بلى؛ قال: لا، البقاء ليطيع، أحب إليه؛ ولا يحب الخروج شوقًا إليه؛ إنما أحبه إليه: إن أبقاه: أحب ذلك، وإن أماته: أحب ذلك.

* قال سفيان الثوري: ما أحب الله عبدًا، فأبغضه؛ وما أبغضه، فأحبه؛ وإن الرجل ليعبد الأوثان، وهو عند الله سعيد.

* عن إبراهيم بن أدهم، أنه قال ذات يوم: لو أن العباد علموا حب الله عز وجل: لقل مطعمهم، ومشربهم، وملبسهم، وحرصهم وذلك؛ أن ملائكة الله: أحبوا الله، فاشتغلوا بعبادته عن غيره، حتى أن منهم: قائمًا، وراكعًا، وساجدًا منذ خلق الله تعالى الدنيا، ما التفت إلى من عن يمينه وشماله، اشتغالا بالله عز وجل، وبخدمته.

* عن حاتم الأصم قال: من ادعى ثلاثًا بغير ثلاث، فهو كذاب؛ من ادعى حب الله بغير ورع عن محارمه، فهو كذاب، ومن ادعى حب الجنة من غير إنفاق ماله، فهو كذاب؛ ومن ادعى حب النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير حب الفقراء، فهو كذاب.

* عن الفضيل بن عياض قال: إذا أحب الله عبدًا: أكثر غمه؛ وإذا أبغض الله عبدًا: أوسع عليه دنياه.

* سأل رجل فضيل بن عياض، فقال: يا أبا علي، متى يبلغ الرجل غايته من حب الله تعالى؛ فقال له الفضيل: إذا كان عطاؤه ومنعه إياك عندك سواء، فقد بلغت الغاية من حبه.

* عن بشر بن السرى قال: ليس من أعلام الحب: أن تحب ما يبغض حبيبك.

* عن محمد بن المبارك قال: ما ترى إلا متغيرًا بشهوة من نفسه، ومأخوذًا ببواقي دنيا غيره؛ كذب مؤمن ادعى المعرفة بالله ويداه ترعى في قصاع المستكثرين، ومن وضع يده في قصعة غيره: ذلت رقبته؛ وما أثبت لأحد ادعى محبة الله، وهو يلف الثريد بثلاثة أصابع.

* عن الساجي قال: قيل للفضيل بن عياض: يا أبا علي، متى ينتهي العبد في حب الله؛ قال: إذا استوى عنده: منعه، وعطاؤه.

* عن أبي عبد الله الساجي قال: الذي جعل الله المعرفة عنده: يتنعم مع الله في كل أحواله؛ قال: وسمعت الساجي يقول: لو لم يكن لله ثواب يرجى، ولا عقاب يخشى: لكان أهلًا أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، بلا رغبة في ثواب، ولا رهبة من عقاب، ولكن لحبة، وهي أعلى الدرجات؛ أما تسمع موسى عليه السلام يقول: { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } [طه: 84] . فانتظم الثواب والعقاب، لأن من عبد الله على حبه: أشرف عند الله ممن عمل على خوفه، ومثل ذلك في الدنيا؛ أين من أطاعك على خوف منك.

* كان القاسم - بن عثمان الجوعي - يقول: أصل المحبة: المعرفة، وأصل الطاعة: التصديق، وأصل الخوف: المراقبة، وأصل المعاصي: طول الأمل، وحب الرئاسة: أصل كل موقعة.

* عن محمد بن أحمد الشمشاطي، قال: سمعت ذا النون المصري يقول: إن لله عبادًا ملأ قلوبهم من صفاء: محض محبته، وهيج أرواحهم، بالشوق إلى رؤيته، فسبحان من شوق إليه أنفسهم، وأدنى منه هممهم، وصفت له صدورهم؛ سبحان موفقهم، ومؤنس وحشتهم، وطبيب أسقامهم؛ إلهي: لك تواضعت أبدانهم، منك إلى الزيادة انبسطت أيديهم، ما طيبت به عيشهم، وأدمت به نعيمهم، فأذقتهم من حلاوة الفهم عنك، ففتحت لهم أبواب سماواتك، وأتحت لهم الجواز في ملكوتك؛ بك أنست محبة المحبين، وعليك معول شوق المشتاقين، وإليك حنت قلوب العارفين، وبك أنست قلوب الصادقين، وعليك عكفت رهبة الخائفين، وبك استجارت أفئدة المقصرين؛ قد بسطت الراحة من فتورهم، وقل طمع الغفلة فيهم، لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما لا يعنيهم، ولا يفترون عن التعب والسهر؛ يناجونه بألسنتهم، ويتضرعون إليه بمسكنتهم، يسألونه العفو عن زلاتهم، والصفح عما وقع الخطأ به في أعمالهم؛ فهم الذين ذابت قلوبهم بفكر الأحزان، وخدموه خدمة الأبرار، الذين تدفقت قلوبهم ببره، وعاملوه بخالص من سره؛ حتى خفيت أعمالهم عن الحفظة، فوقع بهم ما أملوا من عفوه، ووصلوا بها إلى ما أرادوا من محبته؛ فهم والله الزهاد، والسادة من العباد، الذين حملوا أثقال الزمان، فلم يألموا بحملها؛ وفقوا في مواطن الامتحان، فلم تزل أقدامهم عن مواضعها، حتى مال بهم الدهر، وهانت عليهم المصائب، وذهبوا بالصدق والإخلاص عن الدنيا؛ إلهي، فيك نالوا ما أملوا، كنت لهم سيدي مؤيدًا، ولعقولهم مؤديًا؛ حتى أوصلتهم أنت إلى مقام الصادقين في عملك، وإلى منازل المخلصين في معرفتك؛ فهم إلى ما عند سيدهم متطلعون، وإلى ما عنده من وعيده ناظرون؛ ذهبت الآلام عن أبدانهم، لما أذاقهم من حلاوة مناجاته، ولما أفادهم من ظرائف الفوائد من عنده؛ فيا حسنهم والليل قد أقبل بحنادس ظلمته، وهدأت عنهم أصوات خليقته، وقدموا إلى سيدهم الذين له يأملون؛ فلو رأيت أيها البطال أحدهم، وقد قام إلى صلاته وقراءته؛ فلما وقف في محرابه، واستفتح كلام سيده: خطر على قلبه أن ذلك المقام، هو المقام الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين؛ فانخلع قلبه، وذهل عقله؛ فقلوبهم في ملكوت السماوات معلقة، وأبدانهم بين أيدي الخلائق عارية، وهمومهم بالفكر دائمة؛ فما ظنك بأقوام أخيار أبرار، وقد خرجوا من رق الغفلة، واستراحوا من وثائق الفترة، وأنسوا بيقين المعرفة، وسكنوا إلى روح الجهاد والمراقبة؛ بلغنا الله وإياكم هذه الدرجة.

(9/ 339ـ340)

* عن سعيد بن عثمان: حدثني ذو النون، قال: بينا أنا في بعض مسيري، إذ لقيتني امرأة؛ فقالت لي: من أين أنت؟ قلت: رجل غريب؛ فقالت لي: ويحك، وهل يوجد مع الله أحزان الغربة، وهو مؤنس الغرباء، ومعين الضعفاء؟ قال: فبكيت؛ فقالت لي: ما يبكيك؟ قلت: وقع الدواء على داء، قد قرح، فأسرع لي نجاحه؛ قالت: فإن كنت صادقًا، فلم بكيت؟ قلت: والصادق لا يبكي؟ قالت: لا، قلت: ولم؟ قالت: لأن البكاء راحة للقلب، وملجأ يلجأ إليه؛ وما كتم القلب شيئًا، أحق من الشهيق والزفير؛ فإذا أسبلت الدمعة: استراح القلب؛ وهذا ضعف الأطباء، بإبطال الداء؛ قال: فبقيت متعجبًا من كلامها؛ فقالت لي: مالك؟ قلت: تعجبت من هذا الكلام؛ قالت: وقد نسيت القرحة التي سألت عنها؟ قلت: لا، ما أنا بالمستغني عن طلب الزوائد؛ قالت: صدقت حب ربك سبحانه، واشتق إليه؛ فإن له يومًا يتجلى فيه على كرسي كرامته، لأوليائه، وأحبائه، فيذيقهم من محبته كأسًا لا يظمأون بعده أبدًا؛ قال: ثم أخذت في البكاء، والزفير، والشهيق؛ وهي تقول: سيدي، إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها أحدًا يسعفني على البكاء أيام حياتي؛ ثم تركتني ومضت.

* عن أبي عثمان سعيد بن الحكم قال: سمعت أبا الفيض ذا النون بن إبراهيم يقول: بينما أنا أسير ذات ليلة ظلماء، في جبال بيت المقدس؛ إذ سمعت صوتًا حزينًا، وبكاءً جهيرًا؛ وهو يقول: يا وحشتاه بعد أنسنا، يا غربتاه عن وطننا، وا فقراه بعد غنانا، وا ذلاه بعد عزنا؛ فتبعت الصوت، حتى قربت منه، فلم أزل أبكي لبكائه، حتى إذا أصبحنا: نظرت إليه، فإذا رجل ناحل كالشن المحترق؛ فقلت: يرحمك الله، تقول مثل هذا الكلام؛ فقال: دعني، فقد كان لي قلب فقدته؛ ثم أنشأ يقول:

قد كان لي قلب أعيش به…بين الهوى فرماه الحب فاحترقا

فقلت له:

لم تشتكي ألم البلا…وأنت تنتحل المحبة

إن المحب هو الصبو…ر على البلاء لمن أحبه

حب الإله هو السرو…ر مع الشفاء لكل كربه

* عن ذا النون قال: وصف لي رجل بشاهرت، فقصدته، فأقمت على بابه أربعين يومًا؛ فلما كان بعد ذلك: رأيته، فلما رآني: هرب مني؛ فقلت له: سألتك بمعبودك، إلا وقفت على وقفة؛ فقلت: سألتك بالله، بم عرفت الله، وبأي شيء تعرف إليك الله، حتى عرفته؟ فقال لي، نعم، رأيت لي حبيبًا، إذا قربت: إنه قربني وأدناني؛ وإذا بعدت: صوت بي وناداني؛ وإذا قمت بالفترة: رغبني، ومناني؛ وإذا عملت بالطاعة: زادني وأعطاني؛ وإذا عملت بالمعصية: صبر علي، وتأناني؛ فهل رأيت حبيبا مثل هذا؟ انصرف عني، ولا تشغلني؛ ثم ولى، وهو يقول: حسب المحبين في الدنيا، بأن لهم من ربهم سببًا يدنى إلى سبب قوم جسومهم في الأرض سارية نعم، وأرواحهم تختال في الحجب؛ لهفي على خلوة تسددني، إذا تضرعت بالإشفاق والرغب؛ يا رب، يا رب: أنت الله معتمدي، متى أراك جهارًا غير محتجب؟.

يا مؤنس الأبرار في خلواتهم…يا خير من حطت به النزال

من نال حبك لا ينال تفجعا…العقلب يعلم أن ما يفنى محال.

* قال ذو النون: وصف لي رجل باليمن، قد برز على المخالفين، وسما على المجتهدين، وذكر لي باللب والحكمة، ووصف لي بالتواضع والرحمة؛ قال: فخرجت حاجًا، فلما قضيت نسكي، مضيت إليه، لأسمع من كلامه، وأنتفع بموعظته، أنا و ناس كانوا معي، يطلبون منه مثل ما أطلب، وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين، ومنظر الخائفين؛ وكان مصفار الوجه من غير مرض، أعمش العينين من غير عمش، ناحل الجسم من غير سقم؛ يحب الخلوة، ويأنس بالوحدة؛ تراه أبدًا كأنه قريب عهد بالمصيبة، أو قد فدحته نائبة، فخرج إلينا، فجلسنا إليه، فبدأ الشاب بالسلام عليه، وصافحه؛ فأبدى له الشيخ البشر والترحيب، فسلمنا عليه جميعًا، ثم بدأ الشاب بالكلام؛ فقال: إن الله تعالى بمنه وفضله، قد جعلك طبيبًا لسقام القلوب، ومعالجًا لأوجاع الذنوب؛ وبي جرح قد فعل، وداء قد استكمل، فإن رأيت أن تتلطف لي ببعض مراحمك، وتعالجني برفقك؛ فقال له الشيخ: سل ما بدا لك يا فتى؟ فقال له الشاب: يرحمك الله، ما علامة الخوف من الله؟ فقال: أن يؤمنه خوفه من كل خوف غير خوفه؛ ثم قال: يرحمك الله، متى يتبين للعبد خوفه من ربه؟ قال: إذا أنزل نفسه من الله بمنزلة السقيم، فهو يحتمي من كل الطعام، مخافة السقام، ويصبر على مضض كل دواء، مخافة طول الضنا؛ فصاح الفتى صيحة، وقال: عافيت فأبلغت، وعالجت فشفيت، ثم بقي باهتًا ساعة، لا يحير جوابًا، حتى ظننت في روحه قد خرجت من بدنه؛ ثم قال: يرحمك الله، ما علامة المحب لله؟ قال له: حبيبي، إن درجة الحب رفيعة؛ قال: فأنا أحب أن تصفها لي؛ قال: إن المحبين لله، شق لهم من قلوبهم، فأبصروا بنور القلوب إلى عز جلال الله، فصارت أبدانهم دنياوية، وأرواحهم حجبية، وعقولهم سماوية، تسرح بين صفوف الملائكة كالعيان، وتشاهد ملك الأمور باليقين؛ فعبدوه بمبلغ استطاعتهم، بحبهم له، لا طمعًا في جنة، ولا خوفًا من نار؛ قال: فشهق الفتى شهقة، وصاح صيحة، كانت فيها نفسه. قال: فانكب الشيخ عليه يلثمه، وهو يقول: هذا مصرع الخائفين، هذه درجة المجتهدين، هذا أمان المتقين.

* عن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون قال: سمعت ذا النون يقول: قل لمن أظهر حب الله: إحذر أن تذل لغير الله؛ ومن علامة المحب لله: أن لا يكون له حاجة إلى غير الله.

* سئل ذو النون المصري عن المحبة، فقال: هي التي لا تزيدها منفعة، ولا تنقصها مضرة؛ ثم أنشأ يقول:

شواهد أهل الحب باد دليلها…بأعلام صدق ما يضل سبيلها

جسوم أولي صدق المحبة والرضى…تبين عن صدق الوداد نحولها

إذا ناجت الأفهام أنس نفوسهم…بالسنة تخفي على الناس قبلها

وضجت نفوس المستهامين واشتكت…جوى كان عن أجسامها شربيلها

يحنون حزنا ضاعف الخوف شجوه…ونيران شوق كالسعير عليها

وساروا على حب الرشاد إلى العلا…نوم بهم تقواه وهو دليلها

فحطوا بدار القدس في خير منزل…وفاز بزلفى ذي الجلال حلولها

* وسئل عن المحبة فقال: أن تحب ما أحب الله، وتبغض ما أبغض الله، وتفعل الخير كله، وترفض كل ما يشغل عن الله، وأن لا تخاف في الله لومة لائم؛ مع العطف للمؤمنين، والغلظة للكافرين، واتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدين.

* عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أخي محمدًا قال: تعبد رجل من بني إسرائيل في غيضة من جزيرة البحر: أربعمائة سنة، حتى طال شعره، حتى إذا مر بالغيضة: تعلق بعض أغصان الغيضة بشعره؛ فبينما هو ذات يوم يدور: إذا هو بشجرة منها فيها وكر طير، فحول موضع مصلاه إلى قريب منها؛ قال: فقيل له: استأنست بغيري؟ وعزتي لأحطنك مما كنت فيه درجتين.

* قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أسماء الرملية ـ وكانت من المتعبدات المجتهدات ـ قالت: سألت البيضاء بنت المفضل، فقلت: يا أختي، هل للمحب لله دلائل يعرف بها؟ قالت: يا أختي، والمحب للسيد يخفى لو جهد المحب للسيد أن يخفي ما خفي؛ قلت: فصفيه لي في أخلاقه، وطعامه، وشرابه، ونومه، ويقظته، وحركاته؛ قالت: بلى، قد أكثرت علي؛ ولكن: سأصف لك من ذلك ما قدرت عليه: لو رأيت المحب لله، لرأيت عجبا عجيبًا، من واله ما يقر على الأرض طائر، متوحش أنسه في الوحدة، قد منع الراحة ولها بذكر المحبوب، وطعامه الحب عن الجوع وشربه الحب عند الظمأ، ونومه الفكرة في الوصلة، ويقظته المبادرة في الغفلة، ليس له هدوء، ولا يميل إلى سلو؛ إن عزى لم يتعز، وإن صبر لم يتصبر؛ فهو الدهر منكس: لا تغيره الأيام، ولا يمل من طول الخدمة لله إذا مل الخدام، حتى يصير من محبته وطول خدمته: في درج الشوق، فيقر قراره، وتخمد ناره، ويطفئ شرره، ويقل همه، وتواصل أحزانه.

* عن أبي جعفر المصري قال: قال الله تعالى: معشر المتوجهين إلي بحبي: ما ضركم ما فاتكم من الدنيا، إذا كنت لكم حظًا؟؛ وما ضركم من عاداكم: إذا كنت لكم سلمًا.

* عن أبي يزيد البسطامي قال: ليس العجب من حبي لك، وأنا عبد فقير؛ إنما العجب من حبك لي، وأنت ملك قدير.

* عن أبي يزيد البسطامي قال: غلطت في ابتدائي في أربعة أشياء: توهمت أني أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه؛ فلما انتهيت: رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته سبقت معرفتي، ومحبته أقدم من محبتي، وطلبه لي أولا، حتى طلبته.

* قال يحيى بن معاذ: لو رأت العقول بعيون الإيمان نزهة الجنة: لذابت النفوس شوقًا، ولو أدركت القلوب كنه هذه المحبة لخالقها: لانخلعت مفاصلها إليه ولها عليه، ولطارت الأرواح إليه من أبدانها دهشًا؛ فسبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء، وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأشياء.

* وقال: قلب المحب يهيم بالطيران، وتكلمه لدغات الشوق والخفقان.

* وقال: ليس بصادق: من ادعى حبه، ولم يحفظ حده.

* عن الحارث بن أسد المحاسبي قال: علامة أهل الصدق من المحبين: غاية أملهم في الدنيا: أن تصبر أبدانهم على الدون، وأن تخلص لهم النيات من فسادها؛ ومنهم من يريد في الدنيا شواهد الكرامات عند سرعة الإجابة، وغاية أملهم في الآخرة: أن ينعمهم بنظره إليهم، فنعيمها الأسفار، وكشف الحجاب، حتى لا يمارون في رؤيته؛ والله، ليفعلن ذلك بهم إذا استزارهم إليه؛ وحدثني بعض العلماء، قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء عليهم السلام: بعيني، ما يتحمل المتحملون من أجلي، وما يكابد المكابدون في طلب مرضاتي؛ فكيف إذا صاروا إلى جواري، واستزرتهم للمقعد عندي، أسفرت لهم عن وجهي؛ فهنالك، فليبشر المصفون للرحمن أعمالهم: بالنظر العجيب، من الحبيب القريب؛ أتراني أنسى لهم عملًا؟ كيف، وأنا ذو الفضل العظيم: أجود على المولين عني، فكيف بالمقبلين علي؟ وما غضب على شيء، كغضبي على من أخطأ خطيئة، ثم استعظمها في جنب عفوي، ولو عاجلت أحدا بالعقوبة، لعاجلت القانطين من رحمتي؛ ولو يراني عبادي: كيف أستوهبهم ممن اعتدوا عليهم بالظلم في دار الدنيا، ثم أوجبت لمن وهبهم النعيم المقيم، لما اتهموا فضلي وكرمي؛ ولو لم أشكر عبادي، إلا على خوفهم من المقام بين يدي، لشكرتهم على ذلك؛ ولو يراني عبادي: كيف أرفع قصورًا تحار فيها الأبصار، فيقال: لمن هذه؟ فأقول: لمن عصاني، ولم يقطع رجاء مني؛ فأنا الديان، الذي لا تحل معصيتي، ولا حاجة بي إلى هوان من خاف مقامي.

(10/ 80ـ81)

* قال إبراهيم بن أدهم: لو علم الناس لذة حب الله: لقلت مطاعمهم، ومشاربهم، وحرصهم، وذلك أن الملائكة: أحبوا الله، فاستغنوا بذكره عن غيره. وسمعت محمد بن الحسين يقول: قال عتبة الغلام: من عرف الله: أحبه، ومن أحب الله: أطاعه، ومن أطاع الله: أكرمه، ومن أكرمه: أسكنه في جواره، ومن أسكنه في جواره: فطوباه وطوباه؛ والمحب الصادق، إذا استنار قلبه بنور حب الوداد: نحل جسمه، لأن قليل المحبة يبين على صاحبها كثير النحول، فإذا وردت خطرات الشوق عليه، علم أنه من الله تعالى على خلال أربع: إما أن يتقبل طاعته، فيفوز بثوابها؛ وإما أن يشغله في الدنيا بطاعته عن الآثام، فتقل خطاياه؛ وإما أن يتداركه بنظره، فيلحقه بدرجة المحبين تفضلًا، وإن لم يستحق ذلك؛ فإن فاتته الثلاث، لم يفته الرابع إن شاء الله: ثواب النصب لله، وذلك: أن قليل القربة عند الكريم، يعتق بها الرقاب من النار؛ فمن نجا من النار، فماله منزلة غير الجنة؛ ألم تسمع إلى قوله تعالى: { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } [الشورى: 7] . فهل ترى لأحد منزلة بينهما؟ ومن أراد الدخول في عز المحبة: فعليه بمفارقة الأحباب، والخلوة برب الأرباب؛ فإن قيل: فمن أين قلت ذلك؟ فقد حدثني بعض العلماء.

(10/ 81ـ82)

* قال إبراهيم بن أدهم لأخ له في الله: إن كنت تحب أن تكون لله وليًا، وهو لك محبًا: فدع الدنيا والآخرة، ولا ترغبن فيهما، وفرغ نفسك منهما، وأقبل بوجهك على الله: يقبل الله بوجهه عليك، ويلطف بك؛ فإنه بلغني: أن الله تعالى أوحى إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام: يا يحيى، إني قضيت على نفسي: أن لا يحبني عبد من عبادي، أعلم ذلك منه: إلا كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي يتكلم به، وقلبه الذي يفهم به؛ فإذا كان ذلك كذلك: بغضت إليه الاشتغال بغيري، وأدمت فكرته، وأسهرت ليله، وأظمأت نهاره؛ يا يحيى، أنا جليس قلبه، وغاية أمنيته، وأمله؛ أهب له كل يوم وساعة، فيتقرب مني، وأتقرب منه، أسمع كلامه، وأجيب تضرعه؛ فوعزتي وجلالي: لأبعثنه مبعثًا يغبطه به النبيون والمرسلون، ثم آمر مناديًا ينادي: هذا فلان بن فلان، ولي الله، وصفيه، وخيرته من خلقه: دعاه إلى زيارته، ليشفي صدره من النظر إلى وجهه الكريم؛ فإذا جاءني: رفعت الحجاب فيما بيني وبينه، فنظر إلي كيف شاء؛ وأقول: ابشر، فوعزتي وجلالي: لأشفين صدرك من النظر إلي، ولأجددن كرامتك في كل يوم وليلة وساعة؛ فإذا توجهت الوفود إليه، أقبل عليهم، فقال: أيها المتوجهون إلى ما ضركم، ما فاتكم من الدنيا، إذا كنت لكم حظًا؟ وما ضركم من عاداكم، إذا كنت لكم سلمًا؟.

* قيل لذو النون المصري: رحمك الله، ما أقرب ما يتقرب به العبد المحب إلى الله؟ قال: حدثني محمد بن الحسين، قال: سئل أبو سليمان الداراني عن أقرب ما يتقرب به إليه؟ قال: أن يطلع على قلبه، وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره؛ ففي هذا دليل على: أن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله: كل عمل عمله بالإخلاص لله، والإشفاق عليه من عدوه؛ وإن قل ذلك، فهو المقبول: إذا كان على حقيقة التقوى معمولًا؛ كما قال علي بن أبي طالب: عمل صالح دائم مع التقوى، وإن قل، وكيف يقل ما يتقبل؟ وذلك: أن المحب لله، هو على الركن الأعظم من الإيمان، الذي يمكن أن يستكمله العبد، ولا يحسن به ادعاؤه؛ وهو: ركن المعرفة بالنعم، وإظهار الشكر للمنعم؛ وذلك أن الله تعالى يقول لولي من أوليائه: يا عبدي، أما زهدك في الدنيا: فطلبت به الراحة لنفسك، وأما انقطاعك إلي: فتعززت بي؛ فهل عاديت لي عدوًا؟ أو واليت لي وليًا؟ فيخبرك: أنه جعل الحب والبغض فيه، أعظم عنده ثوابًا من الزهد في الدنيا، والانقطاع إليه؛ قلت له: صف لي زهد المحبين، وزهد الخائفين، وزهد الورعين، وزهد المتوكلين؟ فقال: إن العباد زهدوا في حلال الدنيا، خوفًا من شدة الحساب: إذ سئلوا عن الشكر، فلم يؤدوا الشكر على قدر النعم؛ وفرقة من الخائفين: زهدوا في الحرام، خوفًا من حلول النقمة؛ فزهد الخائفين: ترك الحرام البين، وزهد الورعين: ترك كل شبهة؛ وزهد المتوكلين: ترك الاضطراب فيما قد تكفل به من المعاش، لتصديقهم بوفاء الضامن، وزهد المحبين؛ قد قالت فيه العلماء ثلاثة أقوال؛ فقالت فرقة: زهد المحب في الدنيا كلها، في حلالها وحرامها، لقلتها في نفسه؛ وقالت فرقة أخرى: زهد المحب في الجنة، دون الدنيا حذرًا، من أن يقول له حبيبه: يا محب، أي شيء تركت لي؟ فيقول: تركت لك الدنيا، فيقول: وما قدر الدنيا؟ فيقول: يا رب، قدرها جناح بعوضة؛ فيلحقه من الحياء من الله، أن يقول له: تركت لك ما قدره جناح بعوضة؛ ولكن: تعلم يا رب، أني لم أعبدك: إلا بثواب الجنة فقط، لا أريد منك غير ذلك، وما الجنة مع ذكرك؛ فزهد المحب الصادق في الدنيا: هو الزهد في الإخوان: الذين يشغلون عن الله؛ فقد زهد فيهم، لعلمه بما يلحقه من الآفات عند مشاهدتهم؛ فزهده فهيم، على علم بهم.

(10/ 84ـ85)

* قال الحارث بن أسد: المنقطع إلى الله عز وجل عن خلقه: ظاهره ظاهر أهل الدنيا، وباطنه باطن المجلين الهائبين لربهم؛ لأنه صرف قلبه إلى ربه، فاشتغل بذكر رضاه عن ذكر رضا خلقه، فطاب في الدنيا عيشه، وتطهر من آثامه، وأنزل الخلق بالمنزلة التي أنزلهم ربهم عبيدًا؛ إذ لا يملكون له ضرًا ولا نفعًا، فآثر رضاء الله على رضاهم، فسخت نفسه بطلب رضى الله، وإن سخط جميع خلق الله: يرضى الله بسخط كل أحد، ولا يسخط الله برضى أحد من خلقه؛ فملاك أمره في جميع ذلك: ترك الاشتغال، والتثبيت لمراقبة الرقيب عليه، فلا يعجل، فيسخطه عليه؛ وقال: أسرع الأشياء عظة للقلب، وانكسارًا له: ذكر إطلاع الله بالتعظيم له، وأسرع الأشياء إماتة للشهوات: لزوم القلب الأحزان؛ وأكثر الأشياء صرفًا: إزالة الاشتغال بالدنيا من القلوب، عند المعاينة؛ والمباشرة لها: الاعتبار بها، والنظر إلى ما غاب من الآخرة؛ وأسرع الأشياء هيجانا للتعظيم لله من القلب: تدبر الآيات والدلائل، في التدبير المحكم، والصنعة المحكمة المتقنة من السماء والأرض، وما بث بينهما من خلقه: دلائل ناطقة، وشواهد واضحة، أن الذي دبرها: عظيم قدره، نافذ مشيئته، عزيز في سلطانه؛ وأشد الأشياء للقلب عن التشاغل بالدنيا: الكمد من بعد الحزن؛ وأبعث الأشياء على سخاء النفوس بترك الشهوات: الشوق إلى لقاء العزيز الكبير؛ وأشد الأشياء إزالة للمكابدات، في علو الدرجات، في منازل العبادات: لزوم القلب محبة الرحمن، وأنعم الأشياء لقلوب العابدين، وأدومها لها سرورًا: الشوق إلى قرب الله، واستماع كلامه، والنظر إلى وجهه؛ وأظهرها لقلوب المريدين: التوبة النصوح منهم، للعرض على رب العاملين؛ فتلك طهارة المتقين، ومن بعدها طهارة المحبين؛ وهو قطع الأشغال لكل شيء من الدنيا عن محبوبهم؛ فإذا طهرت القلوب من كل شيء سوى الله: خلا من ذكر كل قاطع عن الله، وزال عنه كل حاجب يحجب عنه؛ فتم بالله سروره، وصفا ذكره في قلبه، واستنار له سبيل الاعتبار؛ فكانت الدنيا وأهلها: عينًا ينظر بها، إلى ما سترته الحجب من الملكوت؛ فحينئذ: دام بالله شغله، وطال إليه حنينه، وقرت بالله عينه؛ فالحزن والكمد قد أشغلا قلبه، والمحبة والشوق قد أشخصا إلى الله فؤاده؛ فشوقه إلى طلب القرب والحزن: أن يحال بينه وبينه.

(10/ 86ـ87)

* وسُئل الحارث بن أسد: ما علامة محبة الله للعبد؟ فقال للسائل: ما الذي كشف لك عن طلب علم هذا؟ فقال: قوله تعالى: { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [آل عمران: 31] . فعلمت: أن علامة محبة العبد لله: اتباع رسوله؛ ثم قال: يحببكم الله، فما علامة محبة الله للعبد؟ فقال: لقد سألت عن شيء غاب عن أكثر القلوب؛ إن علامة محبته الله للعبد: أن يتولى الله سياسة همومه، فيكون في جميع أموره هو المختار لها؛ ففي الهموم التي لا تعترض عليها حوادث القواطع، ولا تشير إلى التوقف، لأن الله هو المتولي لها؛ فأخلاقه على السماحة، وجوارحه على الموافقة: يصرخ به، ويحثه بالتهدد والزجر.

فقال السائل: وما الدليل على ذلك؟ فقال: خبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: « إذا أحب الله عبدًا: جعل له واعظًا من نفسه، وزاجرًا من قلبه: يأمره، وينهاه» .

فقال السائل: زدني من علامة محبة الله للعبد؛ قال: ليس شيء أحب إلى الله: من أداء الفرائض، بمسارعة من القلب والجوارح، والمحافظة عليها؛ ثم بعد ذلك: كثرة النوافل؛ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « يقول الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به؛ إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته» .

فقال السائل: رحمك الله، صف لي من علامات وجود قلبه؟ قال: محبوسة يا فتى في سر الملاطفة، مخصوصة بعلم المكاشفة، مقلبة بتنعم النظر في مشاهدة الغيب، وحجاب العز، ورفعة المنعة؛ فهي القلوب التي أسرت أوهامها، بعجب نفاذ إتقان الصنع؛ فعندها: تصاعدت المنى، وتواترت على جوارحها فوائد الغنى؛ فانقطعت النفوس عن كل ميل: إلى راحة، وانزعجت الهموم، وفرت من الرفاهة: فنعمت بسرائر الهداية، وعلمت طرق الولاية، وغذيت من لطيف الكفاية، وأرسلت في روضة ا لبصيرة؛ وأحلت القلوب محلًا: نظرت فيه بلا عيان، وجالت بلا مشاهدة، وخوطبت بلا مشافهة؛ فهذا يا فتى صفة أهل محبة الله، من أهل المراقبة والحياء، والرضا والتوكل؛ فهم الأبرار من العمال، وهم الزهاد من العلماء، وهم الحكماء من النجباء، وهم المسارعون من الأبرار، وهم دعاة الليل والنهار، وهم أصحاب صفاء التذكار، وأصحاب الفكر والاعتبار، وأصحاب المحن والاختبار؛ هم قوم: أسعدهم الله بطاعته، وحفظهم برعايته، وتولاهم بسياسته؛ فلم تشتد لهم همة، ولم يتسقط لهم إرادة؛ همومهم في الجد والطلب، وأرواحهم في النجاة والهرب؛ يستقلون الكثير من أعمالهم، ويستكثرون القليل من نعم الله عليهم؛ إن أنعم عليهم شكروا، وإن منعوا صبروا؛ يكاد يهيج منهم صراخ: إلى مواطن الخلوات، ومعابر العبر والآيات؛ فالحسرات في قلوبهم تتردد، وخوف الفراق في قلوبهم يتوقد؛ نعم يا فتى، هؤلاء قوم أذاقهم الله طعم محبته، ونعمهم بدوام العذوبة في مناجاته، فقطعهم ذلك عن الشهوات، وجانبوا اللذات، وداموا في خدمة من له الأرض والسماوات؛ فقد اعتقدوا الرضا قبل وقوع البلا، ومنقطعين عن إشارة النفوس، منكرين للجهل المأسوس؛ طاب عيشهم، ودام نعيمهم، فعيشهم سليم، وغناهم في قلوبهم مقيم؛ كأنهم نظروا بأبصار القلوب إلى حجب الغيوب، فقطعوا، وكان الله المنا والمطلوب؛ دعاهم إليه، فأجابوه بالحث والجد، ودوام السير؛ فلم تقم لهم أشغال، إذ استبقوا دعوة الجبار؛ فعندها يا فتى، غابت عن قلوبهم أسباب الفتنة بدواهيها، وظهرت أساب المعرفة بما فيها؛ فصار مطيتهم إليه الرغبة، وسائقهم الرهبة، وحاديهم الشوق؛ حتى أدخلهم في رق عبوديته، فليس تلحقهم فترة في نية، ولا وهن في عزم، ولا ضعف في حزم، ولا تأويل في رخصة، ولا ميل إلى دواعي غرة.

قال السائل: أرى هذا مرادًا بالمحبة؟ قال: نعم يا فتى، هذه صفة المرادين بالمحبة.

فقال: كيف المحن على هؤلاء؟ فقال: سهلة في علمها، صعبة في اختيارها؛ فمنحهم على قدر قوة إيمانهم.

قال: فمن أشدهم محنًا؟ قال: أكثرهم معرفة، وأقواهم يقينا، وأكملهم إيمانًا؛ كما جاء في الخبر: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.

(10/ 99ـ101)

* وقيل لبعض المتعبدين: ما فعل فلان؟ قال: أنس فتوحش؛ وقيل لرابعة: بم نلت هذه المنزلة؟ قالت: بتركي مالا يعنيني، وأنسي بمن لم يزل؛ وقال ذو النون في بعض كلامه: يا أنيس كل منفرد بذكرك، وجليس كل متوحد بحبك.

وقال عبد الواحد بن زيد لراهب: يا راهب، لقد تعجلت الوحدة؛ فقال الراهب: يا فتى، لو ذقت حلاوة الوحدة، لاستوحشت إليها من نفسك؛ الوحدة رأس العبادة، ما أنستها الفكرة.

قال: يا راهب، ما أقل ما يجد العبد في الوحدة؟ قال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرهم.

قال: يا راهب، متى يذوق العبد حلاوة الأنس بالله؟ قال: إذا صفا الود، وخلصت المعاملة.

قال: يا عبد الله، متى يصفو الود؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار في الطاعة.

قلت: متى تخلص المعاملة؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار همًا واحدًا؛ وقال بعض الحكماء: عجبًا للخلائق: كيف أرادوا بك بدلًا؟ وعجبًا للقلوب: كيف استأنست بسواك عنك؟ اللهم، آنست الآنسين من أوليائك، وخصصتهم بكفاية المتوكلين عليك، تشاهدهم في ضمائرهم، وتطلع عليهم في سرائرهم، وستري عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف؛ فإذا أوحشتني العزلة: آنسني ذكرك؛ وإذا كثرت علي الهموم: رجعت إلى الاستجارة بك، يا رب العالمين؛ وقال إبراهيم بن أدهم: جئت من أنس الرحمن؛ وكما قال بعض الحكماء: لو أن معي أ نسًا لتوحشت.

قيل: رحمك الله، فما علامة صحة الأنس بالله؟ قال: ضيق الصدر من معاشرة الخلق، والتبرم بهم، واختيار القلب عذوبة الذكر.

قيل: رحمك الله، فما علامته في ظاهره؟ قال: منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة، وغريب في حضر، وحاضر في سفر، وشاهد في غيبة، وغائب في حضور.

قيل: اشرح عن وصف هذا، ما معنى منفرد في جماعة، ومستجمع في خلوة؟ قال: منفرد بالذكر، مشغول بالفكر: لما استولى على القلب، والهم من الشغل، وطيب عذوبة الذكر، وحلاوته؛ وهو منفرد فيما هو فيه عن الجماعة، وهو شاهد معهم ببدنه؛ كما روي عن على بن أبي طالب، في حديث كهيل بن زياد؛ فقال: هجم بهم العلم عن حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، فاستلانوا ما استوعده المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون؛ صحبوا الدنيا بأبدان قلوبها معلقة بالمحل الأعلى، وبأعلي العلى، عند الملك العالي؛ فهذه صفة المنفرد في جماعة.

قيل: فما المستجمع في خلوة؟ قال: مستجمع له بهمة، قد جمع للهموم، فصيرها همًا واحدًا في قلبه، فاستجمعت له الهموم: في مشاهدة الاعتبار، وحسن الفكر في نفاذ القدرة؛ فهو مستجمع لله بعقله وقلبه، وهمه ووهمه كله، وكل جوارحه مستجمعة منتصبة، لدوام الذكر، إلى وجود لحوق البصيرة، وعوض الفطنة، وسعة المعونة؛ وليس شيء منه متفرقًا، ولا وهم معطلًا؛ وهذه صفة المستجمع في انفراده.

قيل: فما معنى: غائب في حضور؟ قال: غائب بوهمه، حاضر بقلبه؛ فمعنى غائب: أي غائب عن أبصار الناظرين، حاضر بقلبه في مراعاة العارفين.

(10/ 107ـ108)

* قال السري السقطي: للمريد عشر مقامات: التحبب إلى الله بالنافلة، والتزين عنده بنصيحة الأمة، والأنس بكلام الله، والصبر على أحكامه، والأثرة لأمره، والحياء من نظره، وبذل المجهود في محبوبه، والرضاء بالقلة، والقناعة بالخمول.

* قال محمد بن المبارك الصوري: قلت لراهب: متى يبلغ الرجل حقيقة الأنس بالله؟ قال: إذا صفا الود فيه، وخلصت المعاملة فيما بين العبد وبين الله؛ قال: قلت: فمتى يصفو الود، وتخلص المعاملة؟ قال: إذا اجتمع الهم، فصار في الطاعة؛ قلت: ومتى يجتمع الهم، فيصير في الطاعة؛ قال: إذا اجتمعت الهموم، فصارت همًا واحدًا.

قلت: يا راهب، بم يستعان على قلة المطعم؟ قال: بالتحري في المكسب، والنظر في الكسوة.

* عن محمد بن سلمة الصوفي قال: قال لي راهب في بيعة بالشام: همة المحبين: الوصول بإرادتهم، وهمة الخائفين: الوصول من الخوف إلى مأمنهم، وكل على خير؛ وأولئك: أنصب أبدانًا، وأعلى في الخير منصبًا.

* جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «إنها قائمة، فما أعددت لها؟» . قال: ما أعددت لها كبير عمل، إلا أني أحب الله ورسوله، قال: «فلك ما احتسبت وأنت مع من أحببت» .

* قال ذو النون المصري: وصف لي باليمن رجل، قد برز على المجتهدين، وذكر لي باللب والحكمة؛ فخرجت حاجًا إلى بيت الله، فلما قضيت نسكي، أتيته لأسمع من كلامهم، وأنتفع بموعظته؛ فأقمت على بابه أيامًا، حتى ظفرت به؛ وكان أصفر اللون من غير مرض، أعمش العينين من غير عمش، ناحل الجسم من غير سقم؛ يحب الخلوة، ويأنس إلى الوحدة؛ تراه كأنه قريب عهد بمصيبة؛ قال: فخرج الشيخ ذات يوم إلى صلاة الجمعة، فاتبعناه بأجمعنا لنكلمه، فبادر إليه شاب، فسلم عليه، وصافحه، وأبدى له الترحيب والبشر؛ فقال له الشاب: إن الله بمنه وفضله جعلك ومثلك: أطباء لسقام القلوب، ومعالجين لأوجاع الذنوب، وبي جرح قد نغل، وداء قد استطال؛ فإن رأيت أن تتلطف ببعض مراهمك، وتعالجني برفقك؛ فقال له الشيخ: سل عما بدا لك.

قال: ما علامة الخوف من الله؟ قال: أن تؤمن نفسك من كل خوف، إلا الخوف من الله. فاضطرب الشاب كما تضطرب السمكة في شبكة الصياد، والشيخ قائم بإزائه.

ثم إن الشاب رجع، وأمر يده على وجهه، وقال: رحمك الله، متى يتبين للعبد خوفه من الله؟ قال: يا بني، إذا أنزل نفسه في الدنيا بمنزلة السقيم، وهو يحتمي من كل الطعام مخافة طول الأسقام؛ قال: فصاح الشاب صيحة، ثم قال: أوه، عاقبت فأوجعت؛ فقال الشيخ: بل داويت فأحسنت، وعالجت فرفقت.

فمكث الشاب ساعة، لا يحير جوابًا؛ ثم إن الشاب أفاق، فأمر يده على وجهه؛ وقال له: رحمك الله، فما علامة المحب لله؟ قال: فانتفض الشيخ فزعًا، وجرت الدموع على وجهه كنظام اللؤلؤ؛ ثم قال: يا شاب، إن درجة الحب درجة سنية، بهية رفيعة.

قال: فأنا أحب أن تصفها لي؛ قال: إن المحبين لله: شق لهم عن قلوبهم، فأبصروا بنور القلوب عظمة الله جل جلاله، فصارت أبدانهم دنيوية، وقلوبهم سماوية، وأرواحهم حجبية، وعقولهم نورانية؛ تسرح بين صفوف الملائكة بالعيان، وتشاهد تلك الأمور بالتحقيق والبيان؛ فعبدوا الله بمبلغ استطاعتهم، لا لجنة ولا لنار.

قال: فصاح الشاب صيحة، خر مغشيًا عليه؛ فحركناه، فإذا هو قد فارق الدنيا؛ فانكب الشيخ يقبل بين عينيه، ويبكي؛ ويقول: هذا مصرع الخائفين، وهذه درجة المجتهدين، وهذه منازل المتقين.

(10/ 180ـ181)

* عن أحمد بن أبي الحواري قال حدثنا أبو قرة، قال: كان بعض التابعين يقول: اللهم، أنت تعطيني من غير أن أسألك، فكيف تحرمني وأنا أسألك؟ اللهم، إني أسألك أن تسكن عظمتك قلبي، وأن تسقيني شربة من كأس حبك.

* قال سهل بن عبد الله: أركان الدين أربعة: الصدق، واليقين، والرضا، والحب؛ فعلامة الصدق: الصبر، وعلامة اليقين: النصيحة؛ وعلامة الرضا: ترك الخلاف؛ وعلامة الإيثار والصبر يشهد للصدق.

(10/ 191ـ192)

* قال ذو النون المصري: تكلمت خدع الدنيا على ألسنة العلماء، وأماتت قلوب القراء فتن الدنيا؛ فلست ترى إلا جاهلًا متحيرًا، أو عالمًا مفتونًا؛ فيا من جعل سمعي وعاء لعلم عجائبه، وقلبي منبعًا لذكره؛ ويا من من علي بمواهبه: اجعلني بحبلك معتصمًا، وبجودك متمسكًا، وبحبالك متصلًا، وأكمل نعمتك عندي: بدوام معرفتك في قلبي، كما أكملت خلقى؛ وسددنى للتى تبلغنى إليك، واجعل ذلك مضمومًا إلى نعمائك عندي، واهدني للشكر: حتى أعلم مكان الزيادة منك في قلبي؛ ولا تنزع محبتك من قلبي، يا ذا الجلال والإكرام، والجمال، والنور، والبهاء؛ والحمد لله أولًا وآخرًا.

* قال ذو النون: من قطع الآمال من الخلق، وصل إلى الخالق؛ ولن يصل عبد إلى محبوبه دون قطع الآمال ممن دونه؛ فمن أحب لقاء الله: فليرم بكنفه عنده، وليخلص، وليشمر، وليصبر ويرضى، ويستسلم مخاطرًا بنفسه؛ فتؤديه مخاطرة نفسه إلى نفسه.

* قال أبو يزيد البسطامي: الحب لله على أربعة فنون: ففن منه: وهو منته، وفن منك: وهو ودك، وفن له: وهو ذكرك له، وفن بينكما: وهو العشق.

* قال أبو سعيد الخزاز: المحب يتعلل إلى محبوبه بكل شيء، ولا يتسلى عنه بشيء؛ ويتبع آثاره، ولا يدع استخباره؛ وأنشدنا:

أسائلكم عنها فهل من مخبر…فمالي بنعم مذ نأت دارها علم

فلو كنت أدري أين خيم أهلها…وأي بلاد الله إذ ظعنوا أموا

إذا لسلكنا مسلك الريح خلفها…ولو أصبحت نعم ومن دونها النجم

* عن أبي الحسين النوري قال: إن المحبة للمحبوب: تتزايد من لطائف المحبوب.

* قال الجنيد بن محمد: كنت يومًا عند السرى بن المغلس بن الحسين، وهو متزر بمئزر، وكنا خاليين؛ فنظرت إلى جسده: كأنه جسد سقيم، دنف، مضنى، واجهد ما يكون؛ فقال: انظر إلى جسدي هذا، فلو شئت أن أقول: إن ما بي هذا من المحبة، كان كما أقول؛ كان وجهه يصفر، ثم اشرأب حمرة حتى تورد، ثم اعتل، فدخلت عليه أعوده؛ فقلت له: كيف تجدك؟ فقال: كيف أشكو ما بي إلى طبيبي، والذي أصابني من حبيبي؟ فأخذت المروحة أروحه؛ فقال: كيف يجد روح المروحة من جوفه، يحترق من داخل؛ ثم أنشأ يقول:

القلب محترق والدمع مستبق…والكرب مجتمع والصبر مفترق

كيف القرار على من لا قرار له…مما جناه ا لهوى والشوق والقلق

يا رب إن كان شيء فيه لي فرج…فامنن علي به ما دام لي رمق

* قال رجل للجنيد: علام يتأسف المحب؟ قال: على زمان بسط: أورث قبضًا، أو زمان أنس: أورث وحشة؛ وأنشأ يقول:

قد كان لي مشرب يصفو برؤيتكم…فكدرته يد الأيام حين صفا

(10/ 278ـ279)

* سئل رويم عن المحبة فقال: الموافقة في جميع الأحوال.

* عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أحب الله عبدًا، قال لجبريل: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل؛ ثم يقول لأهل السماء: إن الله يحب عبده فلانًا، فأحبوه، فيحبه أهل السماء؛ ثم يوضع له القبول» .

* وكان عبد الله بن الجلاء إذا سئل عن المحبة قال: مالي وللمحبة، أنا أريد أن أتعلم التوبة؛ وسئل: كيف تكون ليالي الأحباب؛ فأنشأ يقول:

من لم يبت والحب حشو فؤاده…لم يدر كيف تفتت الأكباد

* قال أبو عبيد البسري: سألت رجلًا بالكام: ما الذي أجلسك في هذا الموضع؟ قال: وما سؤالك عن شيء: إن طلبته لم تدركه، وإن لحقته لم تقع عليه؟ قلت: تخبرني ما هو؟ قال: علمي بأن مجالستي مع الله، تستغرق نعيم الجنان كلها؛ ثم قال: أوه، قد كنت أظن أن نفسي قد ظفرت، ومن الخلق هربت؛ فإذا أنا كذاب في مقامي؛ لو كنت محبًا له، صادقًا: ما اطلع علي أحد.

فقلت: أما علمت، أن المحبين خلفاء الله في أرضه، مستأنسون بخلقه، يبعثونهم على طاعته؟ قال: فصاح بي صحية، وقال: يا مخدوع، لو شممت رائحة الحب، وعاين قلبك ما وراء ذلك من القرب: ما احتجت أن ترى فوق ما رأيت؛ ثم قال: يا سماء، ويا أرض: اشهدا على أنه، ما خطر على قلبي ذكر الجنة والنار قط؛ إن كنت صادقًا: فأمتني.

قال: فوالله، ما سمعت له كلامًا بعدها، وخفت، فخفت أن يسبق إلى الظن من الناس في قتله؛ فتركته ومضيت، فبينا أنا كذلك، إذا أنا بجماعة؛ فقالوا: ما فعل الفتى؟ فكنيت عن ذلك؛ فقالوا: ارجع، فإن الله قد قبضه؛ فصليت معهم عليه، فقلت لهم: من هذا الرجل، ومن أنتم؟ قالوا: ويحك، هذا رجل كان به يمطر المطر، قلبه على قلب إبراهيم الخليل؛ أما رأيته يخبر عن نفسه: أن ذكر النار ما خطر على قلبه قط؟ فهل كان أحد هكذا، إلا إبراهيم عليه السلام؛ قلت: فمن أنتم؟ قالوا: نحن السبعة المخصوصون من الأبدال؛ قلت: علموني شيئًا؛ قالوا: لا تحب أن تعرف، ولا تحب أن يعرف؛ أنك ممن لا يحب أن يعرف.

(10/ 318ـ319)

* سُئل أبو حمزة - محمد بن إبراهيم البغدادي - أيفزع المحب إلى شيء سوى محبوبه؟ فقال: لا، إنه بلاء دائم، وسرور منقطع، وأوجاع متصلة، لا يعرفها إلا من باشرها؛ وأنشد:

يلاقي الملاقي شجوه دون غيره…وكل بلاء عند لاقيه أوجع

* قال ابن الفرغاني: الحب يوجب شوقًا، والشوق يوجب أنسًا؛ فمن فقد الشوق والأنس: فليعلم أنه غير محب.

* عن أبي علي الجروجاني قال: ثلاثة أشياء من عقد التوحيد: الخوف، والرجاء، والمحبة؛ فزيادة الخوف: من كثرة الذنوب، لرؤية الوعيد؛ وزيادة الرجاء: من اكتساب الخير، لرؤية الوعد؛ وزيادة المحبة: من كثرة الذكر، لرؤية المنة؛ فالخائف: لا يستريح من ذكر المحبوب؛ فالخوف: نار منور؛ والرجاء: نور منور؛ والمحبة: نور الأنوار.

* سُئل أبو الحسن البوسنجي عن المحبة فقال: بذل مجهودك، مع معرفة محبوبك؛ لأن محبوبك مع بذل مجهودك: يفعل ما يشاء.

* عن الفضيل بن عياض أنه قال في مرضه الذي مات فيه: ارحمني بحبي إياك، فليس شيء أحب إلي منك.

* عن عمرو بن قيس: أن معاذ بن جبل لما طعن، فجعلت سكرات الموت تغشاه، ثم يفيق الإفاقة، فيقول: اخنقني خنقاتك، فوعزتك، إنك لتعلم أن قلبي يحب لقاءك، اللهم إنك تعلم: أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا، لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لمكابدة الساعات، وظمأ الهواجر، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر.

* عن عمرو بن علي قال: كان هجير يحيى بن سعيد إذا سكت ثم تكلم: { نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ } [قّ: 43] ، قال: فقلت ليحيى في مرضه الذي مات فيه: يعافيك الله إن شاء الله، فقال: أحبه إلى أحبه إلى الله.

* عن سفيان بن عيينة قال: لا تبلغوا ذروة هذا الأمر، إلا حتى لا يكون شيء أحب إليكم من الله؛ ومن أحب القرآن، فقد أحب الله؛ افقهوا ما يقال لكم.

* عن الحسين بن زياد قال: أخذ فضيل بن عياض بيدي، فقال: يا حسين، ينزل الله تعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول الرب: من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عني؟ أليس كل حبيب يحب خلوة حبيبه؟ هاأنا ذا مطلع على أحبائي إذا جنهم الليل؛ مثلت نفسي بين أعينهم، فخاطبوني على المشاهدة، وكلموني على حضوري؛ غدًا أقر أعين أحبائي في جناتي.

(8/ 99ـ100)

* قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت بشر بن السري يقول: ليس من أعلام الحب: أن تحب ما يبغضه حبيبك؛ قال أحمد: وعلامة حب الله: حب طاعة الله؛ وقيل: حب ذكر الله، فإذا أحب الله العبد، أحبه؛ ولا يستطيع العبد أن يحب الله، حتى يكون الابتداء منه بالحب له، وذلك حين عرف منة الاجتهاد في مرضاته؛ قال أحمد: ومن عرف الدنيا: زهد فيها، ومن عرف الآخرة: رغب فيها، ومن عرف الله: آثر رضاه، ومن لم يعرف نفسه: فهو من دينه في غرور؛ وقال أحمد: إذا حدثتك نفسك بترك الدنيا عند إدبارها، فهو خدعة؛ وإذا حدثتك نفسك بتركها عند إقبالها، فذاك.

* عن إسحاق بن خلف؛ قال: مر عيسى عليه السلام بثلاثة من الناس، قد نحلت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم؛ فقال: ما الذي بلغكم ما أرى؟ قالوا: الخوف من النيران؛ قال: مخلوقًا خفتم، وحقًا على الله أن يؤمن الخائف؛ قال: ثم جاوزهم إلى ثلاثة أخرى، فإذا هم أشد تغير ألوان، وأشد نحول أبدان؛ فقال: ما الذي بلغكم ما أرى؟ قالوا: الشوق إلى الجنان؛ فقال: مخلوقًا اشتقتم، وحقًا على الله أن يعطيكم ما رجوتم؛ ثم جاوزهم إلى ثلاث أخرى، فإذا هم أشد نحول أبدان، وأشد تغير ألوان، كأن على وجوههم المرآة من النور؛ فقال: ما الذي بلغكم ما أرى؟ قالوا: الحب لله؛ قال: فأنتم المقربون، أنتم المقربون.

* عن زيد ابن زيد بن أسلم: أن موسى عليه السلام سأل ربه، فقال: يا رب، أخبرني بأهلك الذين هم أهلك، الذين تؤويهم في ظل عرشك، يوم لا ظل إلا ظلك؛ قال: هم: الطاهرة قلوبهم، الندية أيديهم، يتحابون بجلالي؛ الذين إذا ذكرت: ذكروا بي، وإذا ذكروا: ذكرت بهم؛ الذين ينيبون إلى ذكري: كما تنيب النسور إلى وكرها؛ الذين يغضبون لمحارم الله إذا استحلت: كما تغضب النمرة إذا حرب؛ والذين يكلفون بحبي: كما يكلف الصبي بحب الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت