* قال محمد بن أسلم: إن هؤلاء قد كتبوا رأي أبي حنيفة، وكتبت أنا الأثر، فأنا عندهم طريق، وهم عندي طريق؛ وقال لي: يا أبا عبد الله، أصل الإسلام في هذه الفرائض، وهذه الفرائض في حرفين، ما قال الله ورسوله: افعل، فهو فريضة ينبغي أن يفعل، وما قال الله ورسوله: لا تفعل، فينبغي أن ينتهي عنه فتركه فريضة، وهذا في القرآن وفي فريضة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم يقرؤونه، ولكن لا يتفكرون فيه، قد غلب عليهم حب الدنيا، حديث عبد الله بن مسعود: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطًا، فقال: «هذا سبيل الله» . ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: «هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» . ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153] . وحديث عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وأمتي تفترق على ثلاثة وسبعين، كلها في النار إلا واحدة» . قالوا: يا رسول الله، من هم؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي» . فرجع الحديث إلى واحد، والسبيل الذي قال في حديث ابن مسعود والذي قال: «ما أنا عليه وأصحابي» . فدين الله في سبيل واحد، فكل عمل أعمله أعرضه على هذين الحديثين، فما وافقهما عملته، وما خالفهما تركته؛ ولو أن أهل العلم فعلوا، لكانوا على أثر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكنهم فتنهم حب الدنيا وشهوة المال، ولو كان في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال: «كلها في النار إلا واحدة» . قال: كلها في الجنة إلا واحدة، لكان ينبغي أن يكون قد تبين علينا في خشوعنا وهمومنا وجميع أمورنا، خوفًا أن نكون من تلك الواحدة، فكيف وقد قال: كلها في النار إلا واحدة؟
* عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن عز وجل، ففاضت عيناه من خشية الله عز وجل، فتمسه النار؛ وليس من عبد على سبيل وسنة، ذكر الرحمن، فاقشعر جلده من مخافة الله عز وجل، إلا كان مثله كمثل شجرة يبس ورقها، فبينا هي كذلك، إذ أصابتها الريح، فتحاتت عنها ورقها، إلا تحاتت عنه ذنوبه، كما تحات عن هذه الشجرة ورقها؛ وإن اقتصادًا في سبيل وسنة، خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله وسنته؛ فانظروا أعمالكم، فإن كانت اجتهادًا أو اقتصادًا، أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم.
* عن سفيان الثوري قال: بلغني عن عمر أنه كتب إلى بعض عماله، فقال: أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة رسوله، وترك ما أحدث المحدثون بعده مما قد جرت سنته، وكفوا مؤنته؛ واعلم أنه لم يبتدع إنسان قط بدعة، إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، وعبرة فيها؛ فعليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، واعلم أن من سن السنن، قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل، والتعمق والحمق، فإن السابقين الماضين عن علم وقفوا، وببصرنا قد كفوا.
* قالت حفصة بنت عمر لعمر - رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، لو لبست ثوبًا هو ألين من ثوبك، وأكلت طعامًا هو أطيب من طعامك؛ فقد وسع الله عز وجل من الرزق، وأكثر من الخير، فقال: إني سأخصمك إلى نفسك، أما تذكرين ما كان يلقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شدة العيش؛ فما زال يذكرها، حتى أبكاها، فقال لها: والله إن قلت ذلك، أما والله لئن استطعت، لأشاركنهما بمثل عيشهما الشديد، لعلي أدرك معهما عيشهما الرخي.
* عن مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده أبو حنيفة والزائغون في الدين، يقول: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر بعده سننًا، الأخذ بها: اتباع لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله؛ ليس لأحد من الخلق تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في شيء خالفها؛ من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور؛ ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيرًا.
* عن أبي سليمان الداراني يقول: كل من كان في شيء من التطوع يلذ به، فجاء وقت فريضة، فلم يقطع وقتها لذة التطوع، فهو في تطوعه مخدوع؛ قال: وسمع أبا سليمان يقول: ليس ينبغي لمن ألهم شيئًا من الخير أن يعمل به، حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر، عمل به، وحمد الله عز وجل على ما وفق من قلبه.
* عن حاجب بن خليف البرجمي قال: شهدت عمر ابن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحباه: فهو دين ينفذ به، وننتهي إليه؛ وما سن سواهما: فإنا نرجئه.
* عن عون: أن عمر رأى رجلًا يشير بشماله، فقال: يا هذا، إذا تكلمت فلا تشر بشمالك، أشر بيمينك؛ فقال الرجل: ما رأيت كاليوم، أن رجلًا دفن أعز الناس إليه، ثم إنه يهمه يميني من شمالي، فقال عمر: إذًا استأثر الله بشيء قاله عنه.
* قال عثمان: جاء رجل إلى مالك وسأله عن مسألة، قال: فقال له: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: كذا. فقال الرجل: أرأيت؟ قال مالك: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .
* قال عمر بن عبد العزيز: لولا أن تكون بدعة، لحلفت أن لا أفرح من الدنيا بشيء أبدًا، حتى أعلم ما في وجوه رسل ربي إلىّ عند الموت؛ وما أحب أن يهون علي الموت، لأنه آخر ما يؤجر عليه المؤمن.
* قال إبراهيم بن هاني: اختفى عندي أحمد بن حنبل ثلاثة أيام، ثم قال: اطلب لي موضعًا حتى أتحول إليه، قلت: لا آمن عليك يا أبا عبد الله، قال: إذا فعلت أفدتك؛ فطلبت له موضعًا، فلما خرج، قال لي: اختفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الغار ثلاثة أيام، ثم تحول، وليس ينبغي أن نتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرخاء، ونتركه في الشدة.
* عن حسان بن عطية قال: ركعتان يستن فيهما العبد، خير من سبعين ركعة لا يستن فيهما.
* عن الشافعي قال: الأصل القرآن والسنة، أو قياس عليهما، والإجماع أكثر من الحديث.
* عن سفيان الثوري قال: لا يستقيم قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.
* قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم، ولا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم القول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بالنية وموافقة السنة؛ وكان من مضى من سلفنا، لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان والإيمان من العمل؛ وإنما الإيمان اسم جامع، كما يجمع هذه الأديان اسمها ويصدقه العمل؛ فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق ذلك بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها؛ ومن قال بلسانه ولم يعرف بقلبه ولم يصدقه بعمله، لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين.
* عن الحارث المحاسبي قال: من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص، زين ظاهره بالمجاهدة واتباع السنة، لقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69] .
* قال عبد الله الرازي: لما تغير الحال على أبي عثمان وقت وفاته، مزق ابنه أبو بكر قميصًا كان عليه، ففتح أبو عثمان عينيه، وقال: يا بني خلاف، السنة في الظاهر، رياء باطن في القلب.
* عن الجنيد: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث ولم يتفقه لا يقتدى به.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)