فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 392

* عن يحيى بن الفضل الأنيسي قال: سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر: أنه، بينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذ استبكى، وكثر بكاؤه، حتى فزع أهله، وسألوه ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم، وتمادى في البكاء؛ فأرسلوا إلى أبي حازم، فأخبروه بأمره، فجاء أبو حازم إليه، فإذا هو يبكي؛ قال: يا أخي، ما الذي أبكاك، قد رعت أهلك، أفمن علة؟ أم ما بك؟ قال: فقال: إنه مرت بي آية في كتاب الله عز وجل، قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: من الآية47] . قال: فبكى أبو حازم أيضًا معه، واشتد بكاؤهما؛ قال: فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بك لتفرج عنه، فزدته؛ قال: فأخبرهم ما الذي أبكاهما.

* عن منصور بن عمار أنه قال: خرجت ليلة من الليالي، وظننت أن النهار قد أضاء، فإذا الصبح علا، فقعدت إلى دهليز يشرف؛ فإذا أنا بصوت شاب يدعو ويبكي، وهو يقول: اللهم وجلالك، ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولكن عصيتك إذ عصيتك بجهلي، وما أنا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف؛ ولكن سولت لي نفسي، وأعانني عليها شقوتي، وغرني سترك المرخى علي؛ فقد عصيتك وخالفتك بجهلي؛ فمن عذابك من يستنقذني؟ ومن أيدي زبانيتك من يخلصني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عني؟ واسوأتاه إذا قيل للمخفين: جوزوا، وقيل للمثقلين: حطوا؛ فيا ليت شعري: مع المثقلين أحط، أم مع المخفين أجوز؟ ويحي، كلما طال عمري، كثرت ذنوبي؛ ويحي، كلما كبر سني، كثرت خطاياي؛ فيا ويلي، كم أتوب؟ وكم أعود؟ ولا أستحي من ربي. قال منصور: فلما سمعت كلام الشاب، وضعت فمي على باب داره، وقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: إن الله هو السميع العليم نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: من الآية6] الآية. قال منصور: ثم سمعت للصوت اضطرابًا شديدًا، وسكن الصوت؛ فقلت: إن هناك بلية، فعلمت على الباب علامة، ومضيت لحاجتي؛ فلما رجعت من الغداة، إذ أنا بجنازة منصوبة، وعجوز تدخل وتخرج باكية؛ فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الميت منك؟ قالت: إليك عني، لا تجدد علي أحزاني؛ قلت: إني رجل غريب، أخبريني؛ قالت: والله، لولا أنك غريب، ما خبرتك؛ هذا ولدي، من موالي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وكان إذا جن عليه الليل، قام في محرابه يبكي على ذنوبه، وكان يعمل هذا الخوص، فيقسم كسبه ثلاثًا: فثلث يطعمني، وثلث للمساكين، وثلث يفطر عليه؛ فمر علينا البارحة رجل لا جزاه الله خيرًا، فقرأ عند ولدي آيات فيها النار، فلم يزل يضطرب ويبكي، حتى مات رحمه الله. قال منصور: فهذه صفة الخائفين إذا خافوا السطوة.

* عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: جئت أبي، فقال: أين كنت؟ فقلت: وجدت أقوامًا ما رأيت خيرًا منهم، يذكرون الله تعالى، فيرعد أحدهم، حتى يغشى عليه من خشية الله تعالى؛ فقعدت معهم؛ قال: لا تقعد معهم بعدها؛ فرأى كأنه لم يأخذ ذلك في؛ فقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلو القرآن، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن، فلا يصيبهم هذا؛ أفتراهم أخشع لله تعالى من أبي بكر وعمر؟ فرأيت أن ذلك كذلك، فتركتهم.

* عن حفص بن حميد قال: قال لي زياد بن جرير اقرأ علي، فقرأت عليه: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ. وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ. الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح: 1ـ3] . فقال: يا ابن أم زياد، أنقض ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فجعل يبكي كما يبكي الصبي.

* عن جعفر قال: سمعت حوشبًا - بن مسلم - يقول: سمعت الحسن يحلف بالله، يقول: والله يا ابن آدم، لئن قرأت القرآن، ثم آمنت به؛ ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك.

* عن حميد الرواسي قال: كنت عند علي والحسن ابني صالح، ورجل يقرأ علي: {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} [الانبياء: 103] . فالتفت علي إلى الحسن، وقد اصفار واخضار؛ فقال: يا حسن، إنها أفزاع فوق أفزاع. ورأيت الحسن أراد أن يصيح، ثم جمع ثوبه فعض عليه، حتى سكن، فسكن عنه؛ وقد ذبل فمه، واخضار واصفار.

* عن عبد الرحمن بن عجلان قال: بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة، فقام يصلي، فمر بهذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَات} [الجاثية:21] الآية. فمكث ليلته حتى أصبح، ما جاوز هذه الآية إلى غيرها، ببكاء شديد.

* عن هشام الدستوائي قال: لما توفي عمرو بن عتبة بن فرقد، دخل بعض أصحابه على أخته؛ فقال: أخبرينا عنه؛ فقالت: قام ذات ليلة، فاستفتح سورة حم، فلما أتى على هذه الآية: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} [غافر:18] . فما جاوزها حتى أصبح.

* عن معمر مؤذن التيمي قال: صلى إلى جنبي سليمان التيمي بعد العشاء الآخرة، وسمعته يقرأ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] . قال: فلما أتى على هذه الآية: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27] . جعل يرددها، حتى خف أهل المسجد، فانصرفوا؛ قال: فخرجت وتركته؛ قال: وغدوت لأذان الفجر، فنظرت، فإذا هو في مقامه؛ قال: فسمعت، فإذا هو فيها لم يجزها، وهو يقول: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27] .

* عن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إن الصديقين إذا قُرأ عليهم القرآن، طربت قلوبهم إلى الآخرة. زاد السراج في حديثه: ثم قال: خذوا، فيقرأ، ويقول: اسمعوا إلى قول الصادق من فوق عرشه.

* عن الأعمش قال: بتنا ليلة سبع وعشرين من رمضان في مسجد الأياميين، عند طلحة وزبيد؛ فأما زبيد: فختم القرآن بليل، ثم رجع إلى أهله؛ وأما طلحة: فكرر فيه، حتى ختم مع الصبح، أو قال: مع الفجر.

* عن عبد لله بن رباح قال: كان صفوان بن محرز المازني إذا قرأ هذه الآية: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء:227] . بكى، حتى أقول: اندق قصيص زوره.

* قيل لورقاء ـ يعني: ابن إياس ـ: كان سعيد بن جبير يصنع كما يصنع هؤلاء الأئمة اليوم: يطربون، أو يرددون؛ قال: معاذ الله، إلا أنه: كان إذا مر على مثل هذه الآية، في حم المؤمن: {إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ} [غافر:71] . مدها شيئًا.

* عن الشافعي، قال في ذكر هؤلاء القوم الذين يبكون عند القراءة، فقال: قرأ رجل وإنسان حاضر: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} [محمد: 4] . فجعل الرجل يبكي؛ فقيل له: يا بغيض، هذا موضع البكاء؟

* عن أبي عمران الجوني قال: والله، لقد صرف إلينا ربنا عز وجل في هذا القرآن، ما لو صرفه إلى الجبال، لهتها وحناها.

* عن أبي نعيم قال: سمعت عمر بن ذر يقرأ هذه الآية: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة:34] . فجعل يقول: يا رب، ما هذا الوعيد؟

* عن مزاحم بن زفر قال: صلى بنا سفيان الثوري المغرب، فقرأ، حتى بلغ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] . بكى حتى انقطعت قراءته؛ ثم عاد، فقرأ: الحمد لله.

* كان عمر بن ذر: إذا قرأ هذه الآية: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ

[الفاتحة:4] . قال: يا لك من يوم ما أملأ ذكرك لقلوب الصادقين.

* قرأ رجل عند عمر بن عبد العزيز سورة، وعنده رهط؛ فقال بعض القوم: لحن؛ فقال له عمر: أما كان فيما سمعت ما يشغلك عن اللحن.

* عن أبي المليح قال: قرأ يومًا ميمون: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يّس:5] . فرق حتى بكى؛ ثم قال: ما سمع الخلائق بعتب أشد منه قط.

* كان سعيد بن جبير إذا أتى على هذه الآية فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ [غافر: 70ـ72] . رجع فيها، ورددها مرتين أو ثلاثا.

* عن خلف بن حوشب قال: قال إبراهيم: ما ذكرت هذه الآية، إلا ذكرت برد الشراب: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54] .

* عن القاسم بن أبي أيوب قال: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعًا وعشرين مرة: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] الآية.

* عن فضيل بن غزوان قال: دخلت على كرز بن وبرة بيته، فإذا عند مصلاه: حفيرة قد ملأها تبنًا، وبسط عليها كساء، من طول القيام؛ فكان يقرأ في اليوم والليلة القرآن ثلاث مرات.

* عن عمرو بن مالك قال: بينما نحن يومًا عند أبي الجوزاء يحدثنا، إذ خر رجل، فاضطرب، فوثب أبو الجوزاء، فسعى قبله؛ فقيل: يا أبا الجوزاء، إنه رجل به الموت؛ فقال: إنما كنت أراه من هؤلاء القفازين، ولو كان منهم، لأمرت به، وأخرجته من المسجد؛ إنما ذكرهم الله، فقال: تفيض أعينهم، وتقشعر جلودهم.

* عن أبي سليمان الداراني قال: ربما أقمت في الآية الواحدة خمس ليال، ولولا أني بعد أدع الفكر فيها، ما جزتها أبدًا؛ وربما جاءت الآية من القرآن، تطير العقل؛ فسبحان الذي رده إليهم بعد.

* عن محمد بن كعب القرظي قال: لأن أقرأ في ليلة حتى أصبح:

* عن جعفر قال: سمعت مالك بن دينار قرأ: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر:21] . ثم قال: أقسم لكم، لا يؤمن عبد بهذا القرآن، إلا صدع قلبه.

* عن محمد بن المنكدر: أنه جزع عند الموت، فقيل له: لم تجزع؟ فقال: أخشى آية من كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] ، وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.

* كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب يثلم حائطه، ثم يأذن للناس فيه، فيدخلون ويأكلون ويحملون، قال: وكان ينزل حوله ناس من أهل البدو، فيدخلون ويأكلون ويحملون، وكان إذا دخله ردد هذه الآية:

* عن ثابت البناني أنه قرأ: {تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} [الهمزة: 7] قال: تأكله إلى فؤاده وهو حي، لقد تبلغ فيهم العذاب؛ ثم بكى، وأبكى من حوله.

* عن يحيى بن الفضل الأنيسي قال: سمعت بعض من يذكر عن محمد بن المنكدر: أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي، إذ استبكى، وكثر بكاؤه، حتى فزع أهله؛ وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم، وتمادى في البكاء؛ فأرسلوا إلى أبي حازم، فأخبروه بأمره؛ فجاء أبو حازم إليه، فإذا هو يبكي، قال: يا أخي، ما الذي أبكاك؟ قد رعت أهلك، أفمن علة؟ أم ما بك؟ فقال: إنه مرت بي آيه في كتاب الله عز وجل. قال وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] ؛ قال: فبكى أبو حازم أيضًا معه، واشتد بكاؤهما. فقال بعض أهله لأبي حازم: جئناك لتفرج عنه، فزدته؛ فأخبرهم ما الذي أبكاه.

* عن إسماعيل الطوسي قال: بينا نحن ذات يوم عند الفضيل، مغشيًا عليه؛ فقال الفضيل: شكر الله لك ما قد علمه منك. قال: وسمعت إسماعيل الطوسي، أو غيره، قال: بينما نحن نصلي ذات يوم الغداة، خلف الإمام، ومعنا علي بن فضيل؛ فقرأ الإمام: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} [الرحمن: 56] . فلما سلم الإمام، قلت: يا علي، أما سمعت ما قرأ الإمام؟ قال: ماهو؟ قلت: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} [الرحمن: 56] } حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] . قال: شغلني ما كان قبلها: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ} [الرحمن:35] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت