* عن مكحول قال: اجتمعت أنا والزهري، فتذاكرنا التيمم؛ فقال الزهري: المسح إلى الآباط؛ فقلت: عن من أخذت هذا؟ قال: عن كتاب الله، إن الله تعالى يقول: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] فهي يد كلها؛ قلت: فإن الله تعالى يقول: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فمن أين تقطع اليد؟ قال: فخصمته.
* عن الشافعي قال: كنت أطلب الشعر وأنا صغير، واكتب؛ فبينا أنا أمشي بمكة، أو في ناحية من مكة، إذ سمعت صائحًا يقول: يا محمد بن إدريس، عليك بطلب العلم؛ قال: فالتفت، فلم أر أحدًا، فرجعت؛ فكنت أطلب العلم، وأكتبه على الخرق، وأطرحه في الزير، حتى امتلأ؛ وكنت يتيما، ولم يكن لأمي شيء، فولي عم لي ناحية اليمن على القضاء، فخرجت معه؛ فلما قدمت من اليمن، أتيت مسلم بن خالد الزنجي، فسلمت عليه، فلم يرد علي السلام، وقال أحدهم: يجيئنا، حتى إذا ظننا أنه يصلح: أفسد نفسه؛ قال: فسرت إلي سفيان بن عيينة، فسلمت عليه، فرد علي السلام؛ وقال: قد بلغني يا أبا عبد الله ما كنت فيه، وما بلغني إلا خير، فلا تعد؛ قال: ثم خرجت إلى المدينة، فقرأت الموطأ على مالك، ثم خرجت إلى العراق، فصرت إلى محمد بن الحسن، فكنت أناظر أصحابه؛ قال: فشكوني إلى محمد بن الحسن، فقالوا: إن هذا الحجازي يعيب علينا قولنا، ويخطئنا؛ فذكر محمد بن الحسن ذلك، فقلت له: إنا كنا لا نعرف إلا التقليد، فلما قدما عليكم سمعنا كم تقولون: لا تقلدوا، واطلبوا الحق والحجاج؛ فقال لي: فناظرني؛ فقلت: أناظر بعض أصحابك، وأنت تسمع؛ فقال: لا، إلا أنا؛ قال: فقلت: ذلك؛ قال: فتسأل، أو اسأل؟ قلت: ما شئت؛ قال: فما تقول في رجل غصب من رجل عمودًا، فبنى عليه قصرًا، فجاءه مستحق، فاستحقه؟ قلت: يخير بين العمود، وبين قيمته، فإن اختار العمود: هدم القصر، وأخرج العمود، فرده على صاحبه؛ قال: فما تقول في رجل غصب من رجل خشبة، فبنى عليها سفينة، ثم لجج بها في البحر، ثم جاء صاحبها فاستحقها؟ قلت: تقدم إلى أقرب المرسيين، فيخير بين القيمة، وبين الخشبة، فإن أخذ قيمتها، وإلا نقض السفينة، ورد الخشبة إلى صاحبها؛ قال: فماذا تقول في رجل غصب من رجل خيط إبريسم، فخاط به خرجه، ثم جاء صاحبه فاستحقه؟ قلت: له قيمته؛ فكبر، وكبر أصحابه، وقالوا: تركت قولك يا حجازي؛ فقلت له: على رسلك، أرأيت لو أن صاحب القصر أراد أن يهدم قصره، ويرد العمود إلى صاحبه، ولا يعطيه قيمته، كان للسلطان أن يمنعه من ذلك؟ فقال: لا؛ فقلت: أرأيت أن صاحب السفينة، لو أراد أن ينقض السفينة، ويرد الخشبة إلى صاحبها، أكان للسلطان أن يمنعه؟ قال: لا؛ قلت: أرأيت أن صاحب الخرج، لو أراد أن ينقض خرجه، ويخرج الخيط الذي خاط به الخرج، ويرده على صاحبه، أكان للسلطان أن يمنعه؟ قال: نعم؛ قلت: فكيف تقيس ما هو محظور، بما هو ليس بممنوع؟.
(9/ 75ـ76)
* وزاد فقلت له: يرحمك الله، فتقيس على مباح بمحرم؟ هذا حرام عليه، وهذا مباح له؛ قال: فكيف صنع بالسفينة؟ قلت: آمره أن يقرب إلى أقرب المراسي إليه مرسى، لا يهلك فيه، ولا أصحابه؛ فأنزع اللوح، وأدفعه إلى أصحابه؛ وأقول له: أصلح سفينتك، واذهب؛ قال: أليس قال - صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» ؟ فقلت: من ضاره هو ضار نفسه، وقلت له: ما تقول في رجل غصب من رجل جارية، فأولدها عشرة من الولد، كلهم قد قرأ القرآن، وخطب على المنابر، وقضى بين المسلمين؛ ثم أثبت صاحب الجارية بشاهدين عدلين: أن هذا غصبه هذه الجارية، وأولدها هؤلاء الأولاد؛ بم كنت تحكم؟ قال: أحكم بأولاده أرقاء لصاحب الجارية، وأرد الجارية عليه؛ قال: فقلت: نشدتك الله أيهما أعظم ضررًا: إن رددت أولاده رقيقًا، أو إن قلعت الساجة؟.
* كان محمد بن إدريس الشافعي رجلًا شريفًا، وكان يطلب اللغة والعربية، والفصاحة، والشعر في صغره؛ وكان كثيرًا ما يخرج إلى البدو، ويحمل ما فيه من الأدب.
فبينا هو ذات يوم في حي من أحياء العرب، إذ جاء إليه رجل بدوي؛ فقال له: ما تقول في امرأة تحيض يومًا، وتطهر يومًا؟ فقال: لا أدري؛ فقال له: يا بن أخي، الفضيلة أولى بك من النافلة؛ فقال له: إنما أريد هذا لذاك، وعليه قد عزمت، وبالله التوفيق، وبه أستعين.
ثم خرج إلى مالك بن أنس، وكان مالك صدوقًا في حديثه، صادقًا في مجلسه، وحيدًا في جلوسه؛ فدخل عليه، وارتفع على أصحابه، فنهره مالك؛ فوجده موقرًا في الأدب، فرفعه على أصحابه، وقدمه عليهم، وقربه من نفسه؛ فلم يزل مع مالك، إلى أن توفي مالك رحمه الله.
ثم خرج إلى اليمن، وقد خرج بها الخارجي على هارون الرشيد، وطعن الشافعي عليه، وأعرض عمن ساعده، ورفع من قعد عنه؛ فبلغ ذلك الخارجي ما يقول فيه، فبعث إليه، فأحضره عنده، وهم بقتله؛ فلما سمع كلامه، وتبين له شرفه وفضله وعفته، عفا عنه، وعرض عليه قضاء اليمن، فامتنع من ذلك.
ثم أشخص هارون جيشه إلى ذلك الخارجي، فقبض عليه، وحمل إلى بساط السلطان، وحمل معه الشافعي، وأحضرا جميعًا بين يدي الرشيد، فأمر بقتلهما.
فقال له الشافعي: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تسمع كلامي، وتجعل عقوبتك من وراء لساني، ثم تضمني بعد ذلك إلى ما يليق لي من الشدة والرخاء؛ فقال له: هات، فبين له القصة، وعرفه شرفه، وذكر له كلامًا استحسنه هارون، وأمره أن يعيده عليه، فأعاد تلك المعاني بألفاظ أعذب منها.
فقال له هارون: كثر الله في أهل بيتي مثلك ـ وكان محمد بن الحسن حاضرًا، فلم يقصر، وخلى له السبيل ـ وسأله محمد بن الحسن، فنزل عليه أيامًا.
ثم سأله الشافعي أن يمكنه من كتبه وكتب أبي حنيفة؛ فأجابه إلى ذلك ثلاث ليال، وكان الشافعي قد استعبد الوراقين؛ فكتبوا له منها ما أراد.
ثم خرج إلى الشام، فأقام بها مدة: ينقض أقاويل أبي حنيفة، ويرد عليه، حتى دون كلامه، ثم استخار في الرد على مالك، فأرى ذلك في المنام، فرد عليه خمسة أجزاء من الكلام أو نحو ذلك.
ثم خرج إلى مصر، والدار لمالك وأصحابه يحكمون فيه، ويستسقون بموطئه؛ فلما عاينوه فرحوا به، فلما خالفهم وثبوا عليه، ونالوا منه؛ فبلغ ذلك سلطانهم، فجمعهم بين يديه، فلما سمع كلامه، وتبين له فضله عليهم: قدمه عليهم، وأمره أن يقعد في الجامع، وأمر الحاجب أن لا يحجبه أي وقت جاء؛ فلم يزل أمره يعلو، وأصحابه يتزايدون، إلى أن وردت مسألة من هارون الرشيد، يدعو الناس إليها، وقد استكتمها الفقهاء؛ فأجابوه إلى ذلك، وقبلوها منه طوعًا ومنهم كرهًا؛ فجيء بالمسألة إلى الشافعي، فلما نظر فيها قال: غفل والله أمير المؤمنين عن الحق، وأخطأ المسير عليه بهذا، وحق الله علينا أوجب وأعظم من حق أمير المؤمنين، وهذا خلاف ما كان عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخلاف ما اعتقدته الأئمة والخلف؛ فكتب بذلك إلى هارون، فكتب في حمله مقيدًا، فحمل، حتى أحضر في دار أمير المؤمنين، فأجلس في بعض الحجر، ثم دخل محمد ابن الحسن وبشر المريسي جميعًا.
فقال لهما هارون الرشيد: القرشي الذي خالفنا في مسألتنا قد أحضر في دارنا مقيدًا، فما الذي تقولان في أمره؟ فقال محمد بن الحسن: يا أمير المؤمنين، وقد بلغني أيضًا أنه قد خالف صاحبه، وقد رد عليه وعلى صاحبي أيضًا، وجعل لنفسه مقالة يدعو الناس إليها، ويتشبه بالأئمة؛ فإن رأيت أن تحضره حتى نبلو خبره، ونقطع حجته، ثم تضاعف عليه عقوبة أمير المؤمنين.
فدعا به بقيده، فأحضر بين يدي أمير المؤمنين؛ فسلم عليه، فلم يرد عليه، وبقي قائمًا طويلًا، لا يؤذن له بالجلوس، وأمير المؤمنين مقبل عليهما دونه؛ ثم أومأ إليه، فجلس بين الناس.
فقال محمد ابن الحسن: هات مسألة يا شافعي نتكلم عليها؛ فقال له الشافعي: سلوني عما أحببتم؛ فتجرد بشر، وقال له: لولا أنك في مجلس أمير المؤمنين وطاعته فرض لننزلن بك ما تستحقه، فليس أنت في كنف العمر، ولا أنت في ذمة العلم، فيليق بك هذا؟ فقال له الشافعي: عض ما أنت، وذا بلغة أهل اليمن؛ فأنشأ يقول:
أهابك يا عمرو ما هبتني…وخاف بشراك إذ هبتني
وتزعم أمي عن أبيه…من أولاد حام بها عبتني
فأجابه الشافعي، وهو يقول:
ومن هاب الرجال تهيبوه…ومن حقر الرجال فلن يهابا
من قضت الرجال له حقوقًا…ولم يعص الرجال فما أصابا
فأجابه بشر، وهو يقول:
هذا أوان الحرب فاشتدي زيم
فأجابه الشافعي، وهو يقول:
سيعلم ما يريد إذا التقينا…بشط الراب أي فتى أكون
فقال بشر: يا أمير المؤمنين، دعني وإياه؛ فقال له هارون: شأنك وإياه؛ فقال له بشر: أخبرني، ما الدليل على أن الله تعالى واحد؟
فقال الشافعي: يا بشر، ما تدرك من لسان الخواص فأكلمك على لسانهم، إلا أنه لا بد لي أن أجيبك على مقدارك، من حيث أنت الدليل عليه، به، ومنه، وإليه.
واختلاف الأصوات في المصوت إذا كان المحرك واحدًا: دليل على أنه واحد.
وعدم الضد في الكمال على الدوام: دليل على أنه واحد.
وأربع نيرات مختلفات في جسد واحد، متفقات على ترتيبه في استفاضة الهيكل: دليل على أن الله تعالى واحد.
وأربع طبائع مختلفات في الخافقين أضداد، غير أشكال مؤلفات على إصلاح الأحوال: دليل على أن الله تعالى واحد.
وفي خلق السماوات والأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض، لآيات لقوم يعقلون؛ كل ذلك: دليل على أن الله تعالى واحد لا شريك له.
فقال بشر: وما الدليل على أن محمدًا رسول الله؟
قال: القرآن المنزل، وإجماع الناس عليه، والآيات التي لا تليق بأحد، وتقدير المعلوم في كون الإيمان بدليل واضح: دليل على أنه رسول الله، لا بعده مرسل يعزله؛ وامتحانك إياي بهذين السؤالين، وقصدك إياي بهما دون فنون العلوم: دليل على أنك حائر في الدين، تائه في الله عز وجل؛ ولو وسعني السكوت عن جوابك لاخترته؛ وإن قلت أمرًا لي: لا تشمر من سؤاليك هذين؛ لقلت: بعيد من بركات اليقين، وكيف قصرت يدي عنك، لقد وصل لساني إليك.
فقال له بشر: ادعيت الإجماع، فهل تعرف شيئًا اجمع الناس عليه؟ قال: نعم، أجمعوا على أن هذا الحاضر أمير المؤمنين، فمن خالفه قتل؛ فضحك هارون، وأمر بأخذ القيد عن رجليه.
قال: ثم انبسط الشافعي في الكلام، فتكلم بكلام حسن، فأعجب به الرشيد، وقربه من مجلسه، ورفعه عليهما.
قال: ثم غاصا في اللغة ـ وكان بشر مد بها، حتى خرجا إلى لغة أهل اليمن ـ فانقطع بشر في مواضع كثيرة؛ فقال محمد بن الحسن لبشر: يا هذا، إن هذا رجل قرشي، واللغة من نسكه، وأنت تتكلفها من غير طبع؛ فدعوني ومالكًا، ودعوا مالكًا معي.
قال الشافعي: إن كنت أبا ثور يعقر الحرف.
فجرى بينهما عشر مسائل، انقطع محمد بن الحسن في خمس منها، حتى أمر هارون الرشيد بجز رجل محمد بن الحسن؛ فأراد الشافعي أن يكافئه لما كان له عليه من اليد، فقال: يا أمير المؤمنين، والله ما رأيت يمنيا هو أفقه منه، وجعل يمدحه بين يدي أمير المؤمنين، ويفضله؛ فعلم هارون الرشيد ما يريد الشافعي بذلك؛ فخلع عليهما، وحمل كل واحد منهما على مهري قرطاس، يريد بذلك مرضاة الشافعي؛ وخلع علي الشافعي خاصة، وأمر له بخمسين ألف درهم؛ فانصرف إلى البيت وليس معه شيء، قد تصدق بجميع ذلك، ووصل به الناس؛ فقال له هارون الرشيد: أنا أمير المؤمنين، وأنت القدوة؛ فلا يدخل علي أحد من الفقهاء قبلك، فأنشأ محمد بن الحسن يقول:
أخذت نارا بيدي…أشعلتها في كبدي
فقلت ويحي سيدي…قتلت نفسي بيدي
(9/ 81ـ84)
* عن عبد الله بن محمد البلوي قال: لما جيء بأبي عبد الله الشافعي إلى العراق، أدخل إليها ليلًا على بغل قتب، وعليه طيلسان مطبق، وفي رجليه حديد؛ وذاك أنه كان من أصحاب عبد الله بن الحسن.
وأصبح الناس في يوم الاثنين، لعشر خلون من شعبان، سنة أربع وثمانين ومائة؛ وكان قد اعتور على هارون الرشيد أبو يوسف القاضي، وكان قاضي القضاة محمد بن الحسن على المظالم؛ فكان الرشيد يصدر عن رأيهما، ويتفقه بقولهما.
فسبقا في ذلك اليوم إلى الرشيد، فأخبراه بمكان الشافعي، وانبسطا جميعًا في الكلام.
فقال محمد بن الحسن: الحمد لله الذي مكن لك في البلاد، وملكك رقاب العباد، من كل باغ ومعاند إلى يوم المعاد؛ لا زلت مسموعًا لك ومطاعًا؛ فقد علت الدعوة، وظهر أمر الله وهم كارهون؛ وإن جماعة من أصحاب عبد الله بن الحسن اجتمعت، وهم متفرقون، قد أتاك من ينوب عن الجميع، وهو على الباب، يقال له: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، يزعم أنه أحق بهذا الأمر منك، وحاش لله؛ ثم إنه يدعي من العلم ما لم يبلغه سنه، ولا يشهد له بذلك قدره؛ وله لسان، ومنطق، ورواء؛ وسيحليك بلسانه، وأنا خائف؛ كفاك الله مهماتك، وأقالك عثراتك؛ ثم أمسك.
فأقبل الرشيد على أبي يوسف، فقال: يا يعقوب؛ قال: لبيك يا أمير المؤمنين؛ قال: أنكرت من مقالة محمد شيئًا؟ فقال له أبو يوسف: محمد صادق فيما قاله، والرجل كما خلق.
فقال الرشيد: لا خبر بعد شاهدين، ولا إقرار أبلغ من المحنة، وكفى بالمرء؛ إنما أن يشهد بشهادة يخفيها عن خصمه؛ على رسلكما، لا تبرحا؛ ثم أمر بالشافعي، فأدخل، فوضع بين يديه بالحديد الذي كان في رجليه؛ فلما استقر به المجلس، ورمى القوم إليه بأبصارهم؛ رمى الشافعي بطرفه نحو أمير المؤمنين، وأشار بكفة كتابه مسلمًا؛ فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ فقال له الرشيد: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، بدأت بسنة لم تؤمر بإقامتها، وزدنا فريضة قامت بذاتها، ومن أعجب العجب أنك تكلمت في مجلسي بغير أمري.
فقال له الشافعي يا أمير المؤمنين، إن الله عز وجل وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، وهو الذي إذا وعد وفى؛ فقد مكنني في أرضه، وأمنني بعد خوفي يا أمير المؤمنين.
فقال له الرشيد: أجل، قد أمنك الله إن أمنتك.
فقال الشافعي: فقد حدثت أنك لا تقتل قومك صبرًا، ولا تزدريهم بهجرتك غدرًا، ولا تكذبهم إذا أقاموا لديك عذرًا.
فقال الرشيد: هو كذلك؛ فما عذرك مع ما أرى من حالك، وتسييرك من حجازك إلى عراقنا التي فتحها الله علينا، بعد أن بغى صاحبك؛ ثم اتبعه الأرذلون، وأنت رئيسهم؛ فما ينفع لك القول مع إقامة الحجة، ولن تضر الشهادة مع إظهار التوبة.
فقال له الشافعي: يا أمير المؤمنين، أما إذا استطلقني الكلام، فلسنا نكلم إلا على العدل والنصفة.
فقال له الرشيد: ذلك لك.
فقال الشافعي: والله يا أمير المؤمنين، لو اتسع لي الكلام على ما بي: لما شكوت، لكن الكلام مع ثقل الحديد يعور؛ فإن جدت علي بفكه، تركت كسره إياي، وفصحت عن نفسي؛ وإن كانت الأخرى: فيدك العليا، ويدي السفلى، والله غني حميد.
فقال الرشيد لغلامه: يا سراح، حل عنه؛ فأخذ ما في قدميه من الحديد.
فجثى على ركبته اليسرى، ونصب اليمنى، وابتدر الكلام؛ فقال: والله يا أمير المؤمنين، لأن يحشرني الله تحت راية عبد الله بن الحسن ـ وهو ممن قد علمت، لا ينكر عنه اختلاف الأهواء، وتفرق الآراء ـ أحب إلي وإلى كل مؤمن، من أن يحشرني تحت راية قطري بن الفجاءة المازني.
وكان الرشيد متكئًا، فاستوى جالسًا؛ وقال: صدقت وبررت، لأن تكون تحت راية رجل من أهل بيت رسول الله وأقاربه إذا اختلفت الأهواء، خير من أن يحشرك الله تحت راية خارجي يأخذه الله بغتة؛ فأخبرني يا شافعي: ما حجتك على أن قريشًا كلها أئمة، وأنت منهم؟
قال الشافعي: قد افتريت على الله كذبًا يا أمير المؤمنين أن تطيب نفسي لها، وهذه كلمة ما سبقت بها، والذين حكوها لأمير المؤمنين أبطلوا معانيه، فإن الشهادة لا تجوز إلا كذلك.
فنظر أمير المؤمنين إليهما، فلما رآهما لا يتكلمان، علم ما في ذلك، وأمسك عنهما؛ ثم قال له الرشيد: قد صدقت يا ابن إدريس، فكيف بصرك بكتاب الله تعالى.
فقال له الشافعي: عن أي كتاب الله تسألني؟ فإن الله سبحانه وتعالى أنزل ثلاثا وسبعين كتابًا على خمسة أنبياء، وأنزل كتابًا موعظة لنبي وحده، وكان سادسًا.
أولهم آدم عليه السلام، وعليه أنزل ثلاثين صحيفة، كلها أمثال.
وأنزل على أخنوخ، وهو إدريس عليه السلام: ست عشرة صحيفة، كلها حكم، وعلم الملكوت الأعلى.
وأنزل على إبراهيم عليه السلام ثمانية صحف: كلها حكم مفصلة، فيها فرائض ونذر.
وأنزل على موسى عليه السلام التوراة: كلها تخويف وموعظة.
وأنزل على عيسى عليه السلام الإنجيل: ليبين لبني إسرائيل ما اختلفوا فيه من التوراة.
وأنزل على داود عليه السلام كتابًا: كله دعاء، وموعظة لنفسه، حتى يخلصه به من خطيئته؛ وحكم فيه لنا، واتعاظ لداود وأقاربه من بعده.
وأنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - الفرقان: وجمع فه سائر الكتب، فقال: {تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة } أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: 1] .
فقال له الرشيد: قد أحسنت في تفصيلك؛ أفكل هذا علمته؟
فقال له: إي والله يا أمير المؤمنين.
فقال له الرشيد: قصدي كتاب الله الذي أنزله الله على ابن عمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي دعانا إلى قبوله، وأمرنا بالعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه.
فقال: عن أي آية تسألني، عن محكمه، أم عن متشابهه، أم عن تقديمه، أم عن تأخيره، أم عن ناسخه، أم عن منسوخه، أم عن ما ثبت حكمه وارتفعت تلاوته، أم عن ما ثبتت تلاوته وارتفع حكمه، أم عن ما ضربه الله مثلًا، أم عن ما ضربه الله اعتبارًا، أم عن ما أحصى فيه فعال الأمم السالفة، أم عن ما قصدنا الله به من فعله تحذيرًا؟ قال: بم ذاك؟ حتى عدله الشافعي ثلاثًا وسبعين حكمًا في القرآن.
فقال له الرشيد: ويحك يا شافعي، أفكل هذا يحيط به علمك.
فقال له: يا أمير المؤمنين، المحنة على القائل: كالنار على الفضة، تخرج جودتها من راءتها، فهأنذا فامتحن.
فقال له الرشيد: ما أحسن، أعد ما قلت، فسأسألك عنه بعد هذا المجلس إن شاء الله؛ قال له: وكيف بصرك بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
فقال له الشافعي: إني لأعرف منها ما يخرج على وجه الإيجاب، ولا يجوز تركه، كما لا يجوز ترك ما أوجبه الله تعالى في القرآن، وما خرج على وجه التأديب، وما خرج على وجه الخاص لا يشرك فيه العام، وما خرج على وجه العموم يدخل فيه الخصوص، وما خرج جوابًا عن سؤال سائل ليس لغيره استعماله، وما خرج منه ابتداء لازدحام العلوم في صدره، وما فعله في خاصة نفسه واقتدى به الخاصة والعامة، وما خص به نفسه دون الناس كلهم مع مالا ينبغي ذكره، لأنه أسقط عليه السلام عن الناس، وسنه ذكرًا.
فقال له الرشيد: أخذت الترتيب يا شافعي لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأحسنت موضعها لوصفها؛ فما حاجتنا إلى التكرار عليك، ونحن نعلم ومن حضرنا؟ أنك حامل نصابها مقلًا بها.
فقال له الشافعي: ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس؛ وإنما شرفنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيك.
فقال: كيف بصرك بالعربية؟
قال: هي مبدأنا وطباعنا، بها قومت، وألسنتنا بها جرت؛ فصارت كالحياة: لا تتم إلا بالسلامة؛ وكذلك العربية: لا تسلم إلا لأهلها؛ ولقد ولدت، وما أعرف اللحن، فكنت كمن سلم من الداء، ما سلم له الدواء، وعاش بكامل الهناء؛ وبذلك شهد لي القرآن: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] . يعني: قريشًا، وأنت وأنا منهم يا أمير المؤمنين، والعنصر نظيف، والجرثومة منيعة شامخة؛ أنت أصل، ونحن فرع؛ وهو - صلى الله عليه وسلم - مفسر ومبين، به اجتمعت أحسابنا، فنحن بنو الإسلام، وبذلك ندعى وننسب.
فقال له الرشيد: صدقت بارك الله فيك؛ ثم قال له: كيف معرفتك بالشعر؟.
فقال: إني لأعرف طويله، وكامله، وسريعه، ومجتثه، ومسرحه، وخفيفه، وهزجه، ورجزه، وحكمه، وغزله، وما قيل فيه على الأمثال تبيانا للأخبار، وما قصد به العشاق رجاء للتلاق، وما رثي به الأوائل ليتأدب به الأواخر، وما امتدح به المكثرون بابتلاء أمرائهم: وعامتها كذب وزور؛ وما نطق به الشاعر ليعرف تنبيها وحال لشيخه، فوجل شاعره، وما خرج على طرب من قائله، لا أرب له؛ وما تكلم به الشاعر فصار حكمة لمستمعه.
فقال له الرشيد: اكفف يا شافعي، فقد أنفقت في الشعر: ما ظننت أن أحدًا يعرف هذا، ويزيد على الخليل حرفًا؛ ولقد زدت وأفضلت، فكيف معرفتك بالعرب؟
قال: أما أنا، فمن أضبط الناس لآبائها، وجوامع أحسابها، وشوابك أنسابها، ومعرفة وقائعها، وحمل مغازيها في أزمنتها، وكمية ملوكها، وكيفية ملكها، وماهية مراتبها، وتكميل منازلها، وأندية عراضها، ومنازلها منهم: تبع، وحمير، وجفنة، والأسطح، وعيص، وعويص، والاسكندر، واسفاد، واسططاويس، وسوط، وبقراط، وارسططاليس، من أمثالهم: من الروم، إلى كسرى، وقيصر، ونوبة، واحمر، وعمرو بن هند، وسيف بن ذي يزن، والنعمان بن المنذر، وقطر بن أسعد، وصعد بن سعفان ـ وهو جد سطيح الغساني لأبيه ـ، في أمثالهم: من ملوك قضاعة، وهمدان، والحيان: ربيعة، ومصر.
فقال له الرشيد: يا شافعي، لولا أنك من قريش، لقلت: إنك ممن لين له الحديد؛ فهل من موعظة.
فقال الشافعي: إنك تخلع رداء الكبر عن عاتقك، وتضع تاج الهيبة عن رأسك، وتنزع قميص التجبر عن جسدك، وتفتش نفسك، وتنشر سرك، وتلقي جلباب الحياء عن وجهك، مستكينا بين يدي ربك؛ وأكون واعظًا لك عن الحق، وتكون مستمعًا بحسن القبول، فينفعني الله بما أقول، وينفعك بما تسمع.
فقال له الرشيد: أما إني قد فعلت، وسمعت لله والرسول، وللواعظين بعدهما؛ فعظ، وأوجز.
فحل الشافعي عنه إزاره، وحسر عن ذراعيه؛ وقال: أيا أمير المؤمنين، اعلم أن الله جل ثناؤه: امتحنك بالنعم، وابتلاك بالشكر؛ ففضل النعمة أحسن، لتستغرق بقليلها كثيرًا من شكرك؛ فكن لله تعالى شاكرًا، ولآلائه ذاكرًا: تستحق منه المزيد؛ واتق الله في السر والعلانية: تستكمل الطاعة؛ واسمع لقائل الحق، وإن كان دونك: تشرف عند الله، وتزد في عين رعيتك.
واعلم أن الله سبحانه وتعالى يفتش سرك، فإن وجده بخلاف علانيتك: شغلك بهم الدنيا، وفتق لك ما بزنق عليك، واستغنى الله، والله غني حميد؛ وإن وجده موافقًا لعلانيتك: أحبك، وصرف هم الدنيا عن قلبك، وكفاك مؤونة نظرك لغيرك، وترك لك نظرك لنفسك، وكان المقوي لسياستك.
ولن تطاع إلا بطاعتك لله تعالى، فكن له طائعًا: تكتسب بذلك السلامة في العاجل، وحسن المنقلب في الآجل؛ فإن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون.
واحذر الله، حذر عبد علم مكان عدوه، وغاب عنه وليه، فتيقظ خوف السرى.
لا تأمن من مكر الله لتواتر نعمه عليك، فإن ذلك مفسدة لك، وذهاب لدينك، وأسقط المهابة في الأولين والآخرين.
وعليك بكتاب الله: الذي لا يضل المسترشد به، ولن تهلك ما تمسكت به؛ فاعتصم بالله تجده تجاهك.
وعليك بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم: تكن على طريقة الذين هداهم الله، فبهداهم اقتده؛ وما نصب الخلفاء المهديون في الخراج والأرضين، والسواد والمساكن، والديارات؛ فكن لهم تبعًا، وبه عاملًا، راضيًا، مسلمًا؛ واحذر التلبيس فيه، فإنك مسئول عن رعيتك.
وعليك بالمهاجرين والأنصار: الذين تبوؤا الدار والإيمان؛ فاقبل من محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، وآتهم من مال الله الذي آتاك؛ ولا تكرههم على إمساك عن حق، ولا على خوض في باطل؛ فانهم الذين مكنو لك البلاد، واستخلصوا لك العباد، ونوروا لك الظلمة، وكشفوا عنك الغمة، ومكنوا لك في الأرض، وعرفوك السياسة، وقلدوك الرياسة؛ فنهضت بثقلها بعد ضعف، وقويت عليها بعد فشل، كل ذلك يرجوك من كان من أمثالهم لعفتهم طمع الزيادة لهم؛ فلا تطع الخاصة: تقربًا إليهم بظلم العامة، ولا تطع العامة: تقربًا إليهم بظلم الخاصة: لتستديم السلامة.
وكن لله كما تحب أن يكون لك أولياؤك من العامة، من السمع والطاعة؛ فإنه ما ولي أحد على عشرة من المسلمين، فلم يحطهم بنصيحة: إلا جاء يوم القيامة، ويده مغلولة إلى عنقه، لا يفكها إلا عدله، وأنت أعرف بنفسك.
قال: فبكى الرشيد؛ وقد كان في خلال هذه الموعظة يبكي، لا يسمع له صوت، فلما بلغ إلى هذا الفصل: بكى الرشيد، وعلا نحيبه، وبكى جلساؤه، وبكى محمد، وأبو يوسف.
فقال الوالي: يا هذا الرجل، احبس لسانك عن أمير المؤمنين، فقد قطعت قلبه حزنًا.
وقال محمد بن الحسن، وهو قائم على قدمه: اغمد لسانك يا شافعي عن أمير المؤمنين، فإنه أمضى من سيفك ـ والرشيد يبكي، لا يفيق ـ.
فأقبل الشافعي على محمد والجماعة، فقال: اسكتوا أخرسكم الله، لا تذهبوا بنور الحكمة: يا معشر عبيد الرعاع، وعبيد السوط والعصا؛ أخذ الله لأمير المؤمنين منكم لتلبيسكم الحق عليه، وهو يرثكم الملك لديه؛ أما والله، ما زالت الخلافة بخير: ما صدف عنها أمثالكم؛ ولن تزال بشر: ما اعتصمت بكم.
فرفع الرشيد رأسه، وأشار إليهم: أن كفوا؛ وأقبل علي بسيف، فقال: خذ هذا الكهل إليك، ولا تحلني منه؛ ثم أقبل على الشافعي، فقال: قد أمرت لك بصلة، فرأيك في قبولها موقف.
فقال له الشافعي: كلا والله، لا يراني الله تعالى قد سودت وجه موعظتي بقبول الجزاء عليها؛ ولقد عاهدت الله عهدًا: أني لا أخلط بملك من الملوك: تكبر في نفسه، وتصغر عند ربه؛ إلا ذكرت الله تعالى، لعله أن يحدث له ذكرًا؛ ثم نهض.
فلما خرج، أقبل الرشيد على محمد ويعقوب، فقال لهما: ما رأيت كاليوم قط، أفرأيتما أنتما كيومكما؟ فلم نجد بدًا من أن نقول: لا؛ فقال الرشيد لهما: أبهذا تغرياني؟ لقد بؤتما اليوم بإثم عظيم؛ لولا أن من الله علي بالتأييد في أمره، كيفما أوقعتماني فيما لا خلاص لي منه عند ربي؛ ثم وثب الرشيد، وانصرف الناس.
فلقد رأيت محمدًا، وهو بعد ذلك يكثر التردد إلى الشافعي، وربما حجب؛ ثم إن الشافعي بعد ذلك دخل على الرشيد، فأمر له بألف دينار فقبلها، فضحك الرشيد، وقال: لله درك، ما أفطنك، قاتل الله عدوك، فقد أصبح لك وليا.
وأمر الرشيد خادمه سراجًا باتباعه، فما زال يفرقها قبضة قبضة، حتى انتهى إلى خارج الدار، وما معه إلا قبضة واحدة؛ فدفعها إلى غلامه، وقال له: انتفع بها؛ فأخبر سراج الرشيد بذلك، فقال: لهذا ذرع همه، وقوي متنه؛ فاستمر الرشيد عليهما.
(9/ 85ـ91)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)