* عن محمد قال: ما رأيت أحدًا يناظر الشافعي، إلا رحمته مع الشافعي.
قال: وقال هارون بن سعيد: لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من حجارة: أنه من خشب، لغلب؛ في اقتداره على المناظرة.
وقال الشافعي: ناظرت رجلًا بالعراق، فجاء، فكل ما جاء بمعنى: أدخلت عليه معنى آخر، فيبقى؛ فتناظرنا في شيء، فقلت له: من قال بهذا؟ قال: أمسك أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؛ فلم يزل يعد، حتى عد العشرة، فبلغ كل مبلغ؛ وكان حولنا قوم لا معرفة لهم بالرواية، فاجتمعنا بعد ذلك المجلس، فقلت له: الذي رويت عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، من حدثك به؟ فقال: لم أرو لك شيئًا، ولم يحدثني أحد؛ وإنما قلت لك: أمسك أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.
قال محمد: كان أعلم بكل فن؛ لو كنت أدركته وأنا رجل كامل، لاستخرجت من جنبيه علومًا جمة؛ ولقد رأيت عنده أشعار هذيل، وما كنت أذكر فيه قصيدة، إلا ربما أنشدنيها من أولها إلى آخرها؛ على أنه مات، وهو ابن أربع وخمسين سنة.
(9/ 103ـ104)
* عن الشافعي قال: ناظرت يومًا محمد بن الحسن، فاشتدت مناظرتي إياه، فجعلت أوداجه تنتفخ، وأزراره تنقطع: زرًا زرا.
* عن حرملة بن يحيى قال: اجتمع حفص الفرد، ومصلان الأباضي عند الشافعي، في دار الجروي ـ وأنا حاضر ـ؛ واختصم حفص الفرد ومصلان في الإيمان، فاحتج على مصلان، وقوي عليه، وضعف مصلان؛ فحمى الشافعي، وتقلد المسألة: على أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؛ فطحن حفصًا الفرد، وقطعه.
* عن محمد بن إدريس الشافعي قال: ما ناظرت أحدًا قط، إلا على النصيحة.
* عن الشافعي قال: ما ناظرت أحدًا قط، إلا أحببت: أن يوفق، ويسدد، ويعان، ويكون عليه رعاية من الله وحفظ؛ وما ناظرت أحدًا، إلا: ولم أبال: بين الله الحق على لساني، أو لسانه.
* عن الشافعي قال: إذا رأت العامة: الرجل يناظر الرجل، فأعلى صوته، وجعل يضحك منه: فصب له بالقلة.
* عن محمد بن عبد الملك بن زنجويه قال: رأيت يزيد بن هارون يصلي، فجاء إليه أبو عبد الله أحمد بن حنبل؛ فلما سلم يزيد من الصلاة: التفت إلى أحمد بن حنبل؛ فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في العارية؟ قال: مؤداة؛ فقال له يزيد: أخبرنا حجاج عن الحكم، قال: ليست بمضمونة؛ فقال له أحمد بن حنبل: قد استعار النبي - صلى الله عليه وسلم - من صفوان بن أمية أدرعًا، فقال له: «عارية مؤداة» فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «العارية مؤداة» . فسكت يزيد، وصار إلى قول أحمد بن حنبل.
* عن صالح بن أحمد بن حنبل، قال أبي: لما كان في شهر رمضان، لليلة سبع عشرة خلت منه، حولت من السجن إلى دار إسحاق بن إبراهيم، وأنا مقيد بقيد واحد، يوجه إلي في كل يوم رجلان ـ سماهما أبي، قال أبو الفضل: وهما: أحمد بن رباح، وأبو شعيب الحجاج ـ يكلماني، ويناظراني؛ فإذا أرادا الانصراف: دعوا بقيد، فقيدت به؛ فمكثت على هذه الحال ثلاثة أيام، فصار في رجلي أربعة أقياد.
فقال لي أحدهما في بعض الأيام، في كلام دار بيننا، وسألته عن علم الله؛ فقال: علم الله مخلوق.
فقلت له: يا كافر، كفرت.
فقال لي الرسول الذي كان يحضر معهم من قبل إسحاق: هذا رسول أمير المؤمنين.
قال: فقلت له: إن هذا زعم أن علم الله مخلوق؛ فنظر إليه كالمنكر عليه ما قال، ثم انصرفا.
قال أبي: وأسماء الله في القرآن، والقرآن من علم الله؛ فمن زعم أن القرآن مخلوق: فهو كافر؛ ومن زعم أن أسماء الله مخلوقة: فقد كفر.
قال أبي رحمه الله: فلما كانت ليلة الرابعة، بعد العشاء الآخرة: وجه المعتصم بنا إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي: يأمره بحملي.
فأدخلت على إسحاق، فقال لي: يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه حلف أن لا يقتلك بالسيف، وأن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس؛ أليس قد قال الله عز وجل: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: 3] فيكون مجعولًا إلا مخلوق؟.
قال أبي: فقلت له: قد قال: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل:5] ، أفخلقهم؟.
فقال: اذهبوا به.
قال أبي: فأنزلت إلى شاطئ دجلة، فأحدرت إلى الموضع المعروف بباب البستان، ومعي بغا الكبير، ورسول من قبل إسحاق.
قال: فقال بغا لمحمد المحاربي ـ بالفارسية ـ ما تريدون من هذا الرجل؟.
قال: يريدون منه أن يقول: القرآن مخلوق.
فقال: ما أعرف شيئًا من هذه الأقوال؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وقرابة أمير المؤمنين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبي: فلما صرنا إلى الشط: أخرجت من الزورق، فجعلت أكاد أخر على وجهي، حتى أنتهي بي إلى الدار، فأدخلت؛ ثم عرج بي إلى الحجرة، فصيرت في بيت منها، وأغلق علي الباب؛ وأقعد عليه رجل، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج؛ فاحتجت إلى الوضوء، فمددت يدي أطلب شيئًا، فإذا أنا بإناء فيه ماء وطشت، فتهيأت للصلاة، وقمت أصلي.
فلما أصبحت: جاءني الرسول، فأخذ بيدي، فأدخلني الدار؛ وإذا هو جالس، وابن أبي دؤاد حاضر، قد جمع أصحابه، والدار غاصة بأهلها؛ فلما دنوت: سلمت؛ فقال لي: أدنه؛ فلم يزل يدنيني، حتى قربت منه؛ ثم قال لي: اجلس؛ فجلست، وقد أثقلتني الأقياد.
فلما مكثت هنيهة، قلت: تأذن في الكلام؟
فقال: تكلم.
فقلت: إلى ما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
قال: قلت: أنا أشهد أن لا إله إلا الله؛ ثم قلت له: إن جدك ابن عباس يحكي: أن وفد عبد القيس، لما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أمرهم بالإيمان، بالله قال: «أتدرون ما الإيمان بالله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من الغنم» .
عن أبي حمزة، قال: قال: سمعت ابن عباس قال إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أمرهم بالإيمان بالله؛ فذكر الحديث.
قال أبو الفضل، قال أبي: فقال لي عند ذلك: لولا أن وجدتك في يد من كان قبلي، ما تعرضت لك؛ ثم التفت إلى عبد الرحمن بن إسحاق؛ فقال له: يا عبد الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أبي:
فقلت في نفسي: الله أكبر، إن في هذا فرجًا للمسلمين.
قال: ثم قال: ناظروه، وكلموه؛ ثم قال: يا عبد الرحمن، كلمه.
فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟
قال: قلت: ما تقول في علم الله؟ فسكت.
قال أبي: فجعل يكلمني هذا وهذا، فأرد على هذا، وأكلم هذا؛ ثم أقول: يا أمير المؤمنين، اعطوني شيئًا من كتاب الله عز وجل، أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام: أقول به.
أراه قال: فيقول ابن أبي دؤاد: فأنت ما تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسوله؟
قال: فقلت: تأولت تأويلًا، فأنت اعلم؛ وما تأولت تحبس عليه، وتقيد عليه.
قال: فقال ابن أبي دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل، مبتدع؛ وهؤلاء قضاتك والفقهاء، فسلهم.
فيقول: ما تقولون فيه؟
فيقولون: يا أمير المؤمنين، هو ضال مضل، مبتدع.
قال: ولا يزالون يكلموني؛ قال: وجعل صوتي يعلو أصواتهم.
وقال إنسان منهم: قال الله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] . فيكون محدثًا، إلا مخلوقًا.
قال: فقلت له: قال الله تعالى: {ص. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [صّ:1] . فالقرآن هو الذكر، والذكر هو القرآن؛ ويلك، ليس فيها ألف ولام.
قال: فجعل بن سماعة لا يفهم ما أقول؛ قال: فجعل يقول لهم ما يقول.
قال: فقالوا: إنه يقول كذا وكذا.
قال: فقال لي إنسان منهم: حديث خباب: تقرب إلى الله بم استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه.
قال أبي: فقلت لهم: نعم، هكذا هو.
فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليه، ويلحظه متغيظًا عليه.
قال أبي: وقال بعضهم: أليس قال: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 102] ؟.
قلت: قد قال: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] فدمرت، إلا ما أراد الله.
قال: فقال بعضهم: فما تقول؟ ـ وذكر حديث عمران بن حصين: إن الله كتب الذكر ـ، فقال: إن الله خلق الذكر.
فقلت: هذا خطأ، حدثناه غير واحد: إن الله كتب الذكر.
قال أبي: فكان إذا انقطع الرجل منهم، اعترض ابن أبي دؤاد، فتكلم.
فلما قارب الزوال، قال لهم: قوموا؛ ثم حبس عبد الرحمن بن إسحاق، فخلًا بي وبعبد الرحمن؛ فجعل يقول: أما تعرف صالحا الرشيدي؟ كان مؤدبي، وكان في هذا الموضع جالسًا ـ وأشار إلى ناحية من الدار ـ.
قال: فتكلم، وذكر القرآن، فخالفني، فأمرت به، فسحب ووطئ؛ ثم جعل يقول لي: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟.
فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة: يرى طاعتك، والحج والجهاد معك، وهو ملازم لمنزله.
قال: فجعل يقول: والله إنه لفقيه، وإنه لعالم، وما يسوءني أن يكون معي: برد على أهل الملك؛ ولئن أجابني إلى شيء له فيه أدنى فرج: لأطلقن عنه بيدي، ولأطأن عقبه، ولأركبن إليه بجندي.
قال: ثم يلتفت إلي، فيقول: ويحك يا أحمد، ما تقول؟
قال: فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله، أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فلما طال بنا المجلس: ضجر، فقام؛ فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه.
ثم وجه إلي برجلين سماهما، وهما: صاحب الشافعي، وغسان ـ من أصحاب ابن أبي دؤاد ـ يناظراني، فيقيمان معي؛ حتى إذا حضر الإفطار: وجه إلينا بمائدة عليها طعام، فجعلا يأكلان، وجعلت أتعلل، حتى ترفع المائدة.
وأقاما إلى غدو في خلال ذلك: يحيى بن أبي دؤاد؛ فيقول لي: يا أحمد، يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأقول له: أعطوني شيئًا من كتاب الله عز وجل، أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى أقول به.
فقال لي ابن أبي دؤاد: والله، لقد كتب اسمك في السبعة، فمحوته؛ ولقد ساءني أخذهم إياك؛ وإنه والله، ليس السيف؛ إنه ضرب بعد ضرب؛ ثم يقول لي: ما تقول؟
فأرد عليه نحوًا مما رددت عليه.
ثم يأتيني رسوله، فيقول: أين أحمد بن عمار؟ أجب الرجل الذي أنزلت في حجرته، فيذهب؛ ثم يعود، فيقول: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟
فأرد عليه نحوًا مما رددت على ابن أبي دؤاد؛ فلا تزال رسله تأتي أحمد بن عمار، وهو يختلف فيما بيني وبيه؛ ويقول: يقول لك أمير المؤمنين: أجبني، حتى أجيء فأطلق عنك بيدي.
قال: فلما كان في اليوم الثاني: أدخلت عليه؛ فقال: ناظروه، وكلموه.
قال: فجعلوا يتكلمون: هذا من هاهنا، وهذا من هاهنا؛ فأرد على هذا وهذا؛ إذا جاءوا بشيء من الكلام مما ليس في كتاب الله عز وجل، ولا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا فيه خبر ولا أثر؛ قلت: ما أدري ما هذا؟
قال: فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت له الحجة وعلينا: وثب؛ وإذا كلمناه بشيء، يقول: لا أدري ما هذا؟
قال: فيقول: ناظروه؛ ثم يقول: يا أحمد، إني عليك شفيق.
فقال رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله؛ فقال له: ما تقول في قول الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] . فقال: خص الله بها المؤمنين.
قال: فقلت له: ما تقول إن كان قاتلًا، أو عبدًا، أو يهوديًا، أو نصرانيًا؟ فسكت؛ قال أبي: وإنما احتججت عليهم بهذا، لأنهم كانوا يحتجون علي بظاهر القرآن؛ ولقوله: أراك تنتحل الحديث.
وكان إذا انقطع الرجل منهم: اعترض ابن أبي دؤاد، فيقول: يا أمير المؤمنين، والله، لئن أجابك: لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار؛ فيعدد ما شاء الله من ذلك.
ثم أمرهم بعد ذلك بالقيام، وخلا بي، وبعبد الرحمن؛ فيدور بيننا كلام كثير؛ وفي خلال ذلك يقول: ندعو أحمد بن أبي دؤاد.
فأقول: ذلك إليك؛ فيوجه إليه، فيجيء، فيتكلم؛ فلما طال بنا المجلس: قام، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه؛ وجاءني الرجلان
اللذان كانا عندي بالأمس، فجعلا يتكلمان؛ فدار بيننا كلام كثير.
فلما كان وقت الإفطار: جيء بطعام على نحو مما أتى به في أول ليلة، فافطروا، فتعللت، وجعلت رسله تأتي أحمد بن عمار، فيمضي إليه، فيأتيني برسالة على نحو مما كان في أول ليلة.
وجاء ابن أبي دؤاد، فقال: إنه قد حلف: أن يضربك ضربًا، وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس.
فقلت له: فما أصنع؟ حتى إذا كدت أن أصبح، قلت لخليق أن يحدث في هذا اليوم من أمري شيء؛ وقد كنت: خرجت تكتي من سراويلي، فشددت بها الأقياد أحملها بها؛ إذا توجهت إليه، فقلت لبعض من كان معي: الموكل بي: أريد لي خيطًا، فجاءني بخيط، فشددت به الأقياد، وأعدت التكة في سراويلي، ولبستها كراهية أن يحدث شيء من أمري: فأتعرى.
فلما كان في اليوم الثالث: أدخلت عليه، والقوم حضور؛ فجعلت أدخل من دار إلى دار، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط، وغير ذلك من الزي والسلاح؛ وقد حشيت الدار بالجند، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء.
حتى إذا صرت إليه، قال: ناظروه، وكلموه؛ فعادوا لمثل مناظرتهم، فدار بيننا وبينهم كلام كثير.
حتى إذا كان في الوقت الذي كان يخلو بي فيه، فجاءني، ثم اجتمعوا، فشاورهم؛ ثم نحاهم ودعاني، فخلا بي وبعبد الرحمن؛ فقال لي: ويحك يا أحمد، أنا والله عليك شفيق، وإني لأشفق عليك مثل شفقتي على هارون ابني: فأجبني.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله عز وجل، أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
فلما ضجر وطال المجلس، قال: عليك لعنة الله، لقد طمعت فيك؛ خذوه، اخلعوه، اسحبوه.
قال: فأخذت، فسحبت، ثم خلعت.
ثم قال: العقابين والسياط؛ فجيء بعقابين والسياط.
قال أبي: وقد كان صار إلى شعرتان من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصررتهما في كم قميصي؛ فنظر إسحاق بن إبراهيم إلى الصرة في كم قميصي؛ فوجه إلي: ما هذا المصرور في كمك؟ فقلت: شعر من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فسعى بعض القوم إلي القميص ليحرقه، في وقت ما أقمت بين العقابين.
فقال لهم: لا تحرقوه، وانزعوه عنه.
قال أبي: فظننت أنه بسبب الشعر الذي كان فيه؛ ثم صيرت بين العقابين، وشدت يدي، وجيء بكرسي، فوضع له؛ وابن أبي دؤاد قائم على رأسه، والناس اجتمعوا، وهم قيام ممن حضر.
فقال لي إنسان ممن شدني: خذ أي الخشبتين بيدك، وشد عليها؛ فلم أفهم ما قال؛ قال: فتخلعت يدي لما شدت، ولم أمسك الخشبتين.
قال أبو الفضل: ولم يزل أبي رحمه الله يتوجع منها من الرسغ، إلى أن توفي.
ثم قال للجلادين: تقدموا؛ فنظر إلى السياط؛ فقال: ائتوا بغيرها؛ ثم قال لهم: تقدموا؛ فقال لأحدهم: أدنه، أوجع قطع الله يدك؛ فتقدم، فضربني سوطين، ثم تنحى؛ فلم يزل يدعو واحدًا بعد واحد، فيضربني سوطين، ويتنحى.
ثم قام، حتى جاءني وهم محدقون به؛ فقال: ويحك يا أحمد، تقتل نفسك؟ ويحك، أجبني، حتى أطلق عنك بيدي.
قال: فجعل بعضهم يقول: ويحك، إمامك على رأسك قائم؛ قال: وجعل يعجب، وينخسني بقائم سيفه؛ ويقول: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم؛ وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول: ويلك، الخليفة على رأسك قائم؛ قال: ثم يقول بعضهم: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي.
قال: ثم رجع، فجلس على الكرسي؛ ثم قال للجلاد: أدنه، شد قطع الله يدك.
ثم لم يزل يدعو بجلاد بعد جلاد، فيضربني سوطين، ويتنحى؛ وهو يقول له: شد قطع الله يدك.
ثم قام لي الثانية، فجعل يقول: يا أحمد، أجبني؛ وجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول لي: من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ هذا يحيى بن معين، وهذا أبو خيثمة، وابن أبي وجعل؛ يعدد على من أجاب، وجعل هو يقول: ويحك، أجبني.
قال: فجعلت أقول نحوًا مما كنت أقول لهم.
قال: فرجع، فجلس، ثم جعل يقول للجلاد: شد قطع الله يدك.
قال أبي: فذهب عقلي، وما عقلت إلا وأنا في حجرة، طلق عني الأقياد.
فقال إنسان ممن حضر: إنا كببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك سارية، ودسناك.
قال أبي: فقلت: ما شعرت بذلك.
قال: فجاؤني بسويق، فقالوا لي: اشرب وتقيأ.
فقلت: لا أفطر؛ ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم؛ قال أبي: فنودي بصلاة الظهر، فصلينا الظهر.
قال ابن سماعة: صليت، والدم يسيل من ضربك؟
فقلت: قد صلى عمر، وجرحه يثعب دمًا؛ فسكت.
ثم خلي عنه، ووجه إليه برجل ممن يبصر الضرب والجراحات، ليعالج فيها؛ فنظر إليه؛ فقال لنا: والله، لقد رأيت من ضرب ألف سوط، ما رأيت ضربًا أشد من هذا، لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه؛ ثم أدخل ميلا في بعض تلك الجراحات، وقال: لم يثعب؛ فجعل يأتيه ويعالجه، وقد كان أصاب وجهه غير ضربة؛ ثم مكث يعالجه ما شاء الله؛ ثم قال: إن هاهنا شيئًا أريد أن أقطعه؛ فجاء بحديدة، فجعل يعلق اللحم بها، ويقطعه بسكين معه، وهو صابر لذلك، يحمد الله في ذلك، فيراه منه.
ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بينا في ظهره، إلى أن توفي رحمه الله.
قال أبو الفضل: سمعت أبي يقول: والله، لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولوددت أن أنجو من هذا الأمر كفافًا: لا علي، ولا لي.
قال أبو الفضل: فأخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه، وقد كان هذا الرجل ـ يعني: صاحب الشافعي ـ صاحب حديث، قد سمع ونظر؛ ثم جاءني بعد، فقال لي: يا ابن أخي، رحمة الله على أبي عبد الله؛ والله ما رأيت أحدًا يشبهه، قد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله، أنت صائم، وأنت في موضع مسغبة؟ ولقد عطش، فقال لصاحب الشراب: ناولني؛ فناوله قدحًا فيه ماء وثلج، فأخذه، فنظر إليه هنيهة، ثم رده عليه؛ قال: فجعلت أعجب إليه: من صبره على الجوع والعطش، وما هو فيه من الهول.
قال أبو الفضل: وكنت ألتمس وأحتال: أن أوصل إليه طعامًا، أو رغيفًا، أو رغيفين في هذه الأيام؛ فلم أقدر على ذلك.
وأخبرني رجل حضره، قال: تفقدته في هذه الأيام، وهم يناظرونه ويكلمونه؛ فما لحن في كلمة، وما ظننت أن أحدًا يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه.
قال أبو الفضل: دخلت على أبي يومًا، فقلت له: بلغني أن رجلًا جاء إلى فضل الأنماطي؛ فقال له: اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك؛ فقال فضل: لا جعلت أحدًا في حل، فتبسم أبي وسكت؛ فلما كان بعد أيام، قال: مررت بهذه الآية: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] . فنظرت في تفسيرها، فإذا هو ما حدثني به هاشم بن القاسم: ثنا المبارك، قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة، نودوا: ليقم من أجره على الله؛ فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا؛ قال أبي: فجعلت الميت في حل من ضربه إياي؛ ثم جعل يقول: وما على رجل أن لا يعذب الله بسببه أحدًا.
(9/ 197ـ204)
* عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول لفتى من ولد جعفر بن سليمان الهاشمي: مكانك؛ فقعد، حتى تفرق الناس؛ ثم قال له: يا بني، تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف، وكل ذلك يجري منك على بال رخي إلا أمرك، وما بلغني، فإن الأمر لا يزال هينًا، مالم يصل إليكم ـ يعني: السلطان ـ؛ فإذا صار إليكم، جل وعظم؛ قال: يا أبا سعيد، وما ذاك؟ قال: بلغني، أنك تتكلم في الرب، وتصفه، وتشبه؛ قال الغلام: نعم يا أبا سعيد، نظرنا، فلم نر من خلق الله شيئًا أحسن ولا أولى من الإنسان؛ فأخذ يتكلم في الصفة، فقال له عبد الرحمن: رويدك يا بني، حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإن عجزنا عن المخلوق، فنحن عن الخالق أعجز؛ أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني قال: سمعت سعيد بن جبير قال: قال عبد الله في قوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [لنجم:18] . قال: رأى جبريل له ستمائة جناح؛ فبقي الغلام ينظر؛ فقال له عبد الرحمن: يا بني، فإني أهون عليك المسألة، وأضع عنك خمسمائة وسبعًا وتسعين جناحًا، صف لي خلقًا بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعًا غير الموضعين الذين ركبهما الله عز وجل، حتى أعلم؛ فقال: يا أبا سعيد، قد عجزنا عن صفة المخلوق، ونحن عن صفة الخالق أعجز؛ فأشهدك أني قد رجعت عن ذاك، وأستغفر الله.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)