* معاذ بن معاذ قال: كان سليمان -أبو المعتمر سليمان بن طرخان- إذا أتيناه: لا يزيد كل واحد منا على خمسة أحاديث؛ وكان معنا رجل، فجعل يكرر عليه، فقال: نشدتك بالله، أجهمي أنت؟ فقال: ما أفطنك، من أين عرفتني.
* عن يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: حرم الله الزيادة في الدين، والإلهام في القلب، والفراسة في الخلق، على ثلاثة نفر: على بخيل بدنياه، وسخي بدينه، وسيء الخلق مع الله؛ فقال له رجل: بخيل بالدنيا عرفناه، وسخي بدينه عرفناه، صف لنا سيئ الخلق مع الله؛ قال: يقضي الله قضاءً، ويمضي قدرًا، وينفذ علمًا، ويختار لخلقه أمرًا، فترى صاحب سوء الخلق مع الله مضطربًا في ذلك كله، غير راض به، دائمًا شكواه من الله إلى خلقه؛ فما ظنك؟
* قال محمد بن إدريس الشافعي: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة، حتى كتبتها وجمعتها، ثم لما حان انصرافي، مررت على رجل في الطريق، وهو محتب بفناء داره، أزرق العين، ناتىء الجبهة سناط؛ فقلت له: هل من منزل؟ فقال: نعم؛ قال الشافعي: وهذا النعت أخبث ما يكون في الفراسة، فأنزلني، فرأيته أكرم ما يكون من رجل: بعث إلي بعشاء، وطيب، وعلف لدابتي، وفراش ولحاف؛ فجعلت أتقلب الليل أجمع، ما أصنع بهذه الكتب: إذا رأيت النعت في هذا الرجل، فرأيت أكرم رجل؟ فقلت: أرمي بهذه الكتب؛ فلما أصبحت: قلت للغلام: أسرج، فأسرج، فركبت، ومررت عليه؛ وقلت له: إذا قدمت مكة، ومررت بذي طوى: فاسأل عن محمد بن إدريس الشافعي؛ فقال لي الرجل: أمولى لأبيك أنا؟ قال: قلت: لا؛ قال: فهل كانت لك عندي نعمة؟ فقلت: لا؛ فقال: أين ما تكلفته لك البارحة؟ قلت: وما هو؟ قال: اشتريت لك طعامًا بدرهمين، وإدامًا ( [1] ) بكذا وكذا، وعطرًا بثلاثة دراهم، وعلفًا لدابتك بدرهمين، وكراء الفرش واللحاف درهمان؛ قال: قلت: يا غلام، أعطه؛ فهل بقي من شيء؟ قال: كراء البيت، فاني قد وسعت عليك، وضيقت على نفسي؛ قال الشافعي: فغبطت بتلك الكتب؛ فقلت له بعد ذلك: هل بقي لك من شيء؟ قال: إمض أخزاك الله، فما رأيت قط شرًا منك.
* قال الربيع بن سليمان: كنت عند الشافعي، إذ جاءه رجل برقعة، فقرأها، ووقع فيها، ومضى الرجل؛ فتبعته إلى باب المسجد، فقلت: والله، لا تفوتني فتيا الشافعي؛ فأخذت الرقعة من يده، فوجدت فيها:
سل العالم المكي هل من تزاور…وضمة مشتاق الفؤاد جناح
فإذا قد وقع الشافعي، فقلت:
معاذ الله أن يذهب التقى…تلاصق أكباد بهن جراح
قال الربيع: فأنكرت على الشافعي أن يفتي لحدث بمثل هذا، فقلت: يا أبا عبد الله، تفتي بمثل هذا، شابًا؟ فقال لي: يا أبا محمد، هذا رجل هاشمي، قد عرس في هذا الشهر ـ يعني: شهر رمضان ـ وهو حدث السن، فسأل: هل عليه جناح أن يقبل، أو يضم من غير وطيء؟ فأفتيته بهذه الفتيا؛ قال الربيع: فتبعت الشاب، فسألته عن حاله، فذكر لي: أنه مثل ما قال الشافعي؛ فما رأيت فراسة أحسن منها.
* عن الربيع بن سليمان قال: رأيت الشافعي، وجاءه رجل يسأله مسألة، فقال: من أهل صنعاء أنت؟ قال: نعم؛ قال: فلعلك حداد؟ قال: نعم؛ قال: وجاءه رجل من أهل مصر يوم الجمعة، عليه ثياب الجمعة، يسأله عن مسألة؛ فقال له: أنت نساج؟ فقال: عندي أجراء.
* عن الحميدي قال: كنت مع الشافعي ومحمد بن الحسن: يتفرسان الناس؛ فمر رجل، فقال محمد بن الحسن للشافعي: إحرز، فقال الشافعي: قد رابني أمره، إما أن يكون نجارًا، أو خياطًا؛ قال الحميدي: فقمت إليه، فقلت: ما حرفة الرجل؟ فقال: كنت نجارًا، وأنا اليوم خياط.
(1) في الأصل: (وإذا ما) ، والتصويب من"آداب الشافعي ومناقبه"لابن أبي حاتم (ص:130) .